فهرس الكتاب

الصفحة 316 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 326

وفي هذه الآية إشارة ضمنيّة للضعفاء الّذين فتنوا في دينهم أن يتّخذوا أيّ سبيل، ليتخلّصوا بالهجرة من ضغوط الكافرين ذوي السلطان والجبروت في مكّة، فإذا فعلوا ذلك بإحسان وتصرّف حكيم، هداهم اللّه عزّ وجلّ إلى سبل نجاتهم وسلامتهم، وإنّ اللّه لمع المحسنين بالمعونة والتوفيق والتأييد والنّصر، أمّا الّذين لا يحسنون التصرّف، فيتحرّكون لتحقيق غاياتهم تحرّكا أهوج طائشا، ولا يتّخذون الشّروط السببيّة الملائمة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ لم يعدهم بأن يكون معهم.

ويقع كثير من المؤمنين ذوي السّذاجة والجهل بمفهومات الدّين، في غلط فاحش حيال هذه الحقيقة، فيسيئون التصرّف، ولا يتّخذون الشروط السببيّة الملائمة المطلوبة، ثمّ يطالبون اللّه عزّ وجلّ بأن يكون معهم حاميا وناصرا، تصوّرا منهم أنّ الإحسان في العمل بمفهوم الدّين قاصر على جوانب خاصّة تتعلّق بالعبادات المحضة، ولا ينطلقون مع الأبعاد الكاملة لقول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في تعريف الإحسان:

"أن تعبد اللّه كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك".

وأنّ العبادة للّه تشمل كلّ سلوك الإنسان في الحياة الدنيا، وأنّ الجهاد في سبيل اللّه من أعظم العبادات وأكثرها تحقيقا لمرضاته.

ويغفلون عن قول الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في الحديث الصحيح:

"إنّ اللّه كتب الإحسان على كلّ شيء".

فاللّه عزّ وجلّ يعلّم المؤمنين في هذه الآية من سورة (العنكبوت) أن يكونوا محسنين في اتّخاذ الأسباب المناسبة للهجرة من بلد يفتنون فيه بدينهم، حتّى يكون معهم ساترا وحافظا وناصرا.

وقد ضرب الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم في سلوكه المثل الكامل في اتّخاذ الوسائل السببيّة على أحسن وجه لدى هجرته من مكة إلى المدينة، حين أذن اللّه له بالهجرة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت