فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 330
كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ (49) أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (50) .
يخطئ بعض المتعجّلين في فهم قول اللّه عزّ وجلّ في هذا النصّ:
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجًا فيتصوّر أنّ رسالات اللّه الّتي أرسل بها رسله السابقين إلى الأمم مختلفة فيما بينها شرعة ومنهاجا، وما جاء في الرسالة الخاتمة مشتمل على شرعة ومنهاج مخالفين أيضا لما جاء في الرسالات السابقات، وجاء هذا الوهم من كون بعض أحكام الفروع التعبّديّة قد جاء فيها تكميل أو تعديل أو تيسير، مع أنّ مثل هذا قد حصل في الرسالة الخاتمة نفسها، دون أن يؤثّر على وحدة صراط اللّه، ووحدة شرعته ومنهاجه الذي اصطفاه اللّه لعباده.
وقد أكّدت النصوص الكثيرة جدّا أنّ صراط اللّه الدينيّ الذي اصطفاه اللّه لعباده صراط مستقيم واحد، لا تعدّد فيه، وهو الدّين الذي بيّنه اللّه لآدم ولسائر النبيّين والمرسلين من ذرّيته.
ونظرا إلى وحدة صراط اللّه لعباده جعل اللّه أتباع جميع الرّسل أمّة واحدة، تتلاحق مواكبها بقيادة المرسلين، حتّى خاتمة الرسالات الرّبّانيّة الّتي جعل اللّه قائدها محمد بن عبد اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم.
لكنّ أهواء الناس هي الّتي كانت السّبب في التفرّق والتمزّق إلى فرق وأحزاب شتّى، فمن التزم صراط اللّه الحقّ اتّبع الرسول الخاتم، وعمل بما أنزل اللّه عليه، وهجر تحريفات المحرّفّين وغلوّ الغالين، وما أدخل النّاس من شركيّات وكفريّات فيما ينسب إلى الرّسل السابقين.
دلّ على هذه الحقيقة نصّ أنزله اللّه في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) خطابا للرسل جميعا، وفي هذا الخطاب دلالة على أنّ مضمونه قد أنزله اللّه على جميع المرسلين ضمن ما أنزل على كلّ منهم، وهو قول اللّه عزّ وجلّ فيها: