فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 505
والسبب أنّ إعادة الامتحان تستلزم مسح كلّ مشاهد الآخرة من ذاكراتهم، فإذا أعيدوا إلى ظروف حياة أخرى كانت نفوسهم على مثل الحال الّتي كانت عليها في الامتحان الأول لم يتغيّر فيها شيء، فهم يعودون إلى سيرتهم الأولى حتما.
وَإِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ: أي: في ادّعائهم أنهم إذا أعيدوا فسيكونون مؤمنين يعملون الصالحات، باعتبار أن واقع حالهم سيكون على نقيض هذا، وليس المراد أنّهم كاذبون في التعبير عن مشاعرهم الدّاخلية لدى تقديم وعودهم بأنهم سيؤمنون ويعملون الصالحات، إذ هي مشاعر قد عبّروا عنها بصدق وهم عند أبواب جهنم، لكنّها لا تطابق واقع حالهم حينما يستأنفون رحلة امتحانهم.
وَقالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا وَما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (29) : عبّرت هذه الآية عن أوهام كلّ الكافرين، الّتي صارت لديهم عقيدة موجّهة لسلوكهم في الحياة الدنيا، فجعلتهم يكذّبون رسل اللّه، ويكذّبون بآياته، وهي أنّ الحياة مقتصرة على الحياة الدّنيا فقط، ولا توجد حياة أخرى بعدها، فلا بعث ولا حشر، ولا حساب، ولا فصل قضاء ربّانيّ، ولا جزاء.
(إن) هنا حرف نفي بمعنى"ما"النافية (هى) ضمير يعود على ملاحظ ذهنا، وهو"حياتنا"وهذا الملاحظ في الذهن مفسّر بما جاء بعد (إلا.)
فالمعنى: ما حياتنا الّتي لنا في الوجود كلّه إلّا حياتنا الدّنيا، وما نحن بمبعوثين لحياة أخرى يكون فيها الحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ: أي: ولو ترى حين وقفوا على موقف محاكمة ربّهم لهم، لرأيت ما تضمّنه البيان في تتمّة الآية.
حذف جواب"لو"لدلالة تتمّة الآية عليه. وحذف أيضا"موقف محاكمة"لسهولة استخراجه بشيء من التدبّر. وهذان الحذفان المدركان ذهنا من الإيجاز المعهود في القرآن المجيد.