فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 534
وما دلّت عليه النّصوص من أنّ الجنّ كانوا مكلّفين أن يؤمنوا بربّهم ويسلموا له، وأنّهم كانوا مبلّغين بأنّ الحياة الدنيا دار امتحانهم، وأنّها ستنتهي ظروفها، وأنّهم سيبعثون للحساب، وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء.
دلّ على هذا ما جاء في قصّة محاكمة اللّه عزّ وجلّ إبليس على معصيته، ورفضه أن يسجد لآدم، إذ أمره اللّه عزّ وجلّ أن يسجد له مع ملائكة الملأ الأعلى، باعتبار أنّه كان مندسّا فيهم منافقا، ومتظاهرا بالعبادة والطّاعة، كأنّه واحد منهم، طمعا في أن يكون بينهم ذا رياسة، فقد جاء في هذه القصّة أنّ إبليس كان من الجنّ ففسقّ عن طاعة أمر ربّه، وأنّه سأل ربّه أن ينظره إلى يوم يبعثون، وهذا يدلّ على أنّ قضيّة البعث للحساب، وفصل القضاء، وتحقيق الجزاء، من القضايا الّتي أمر الجنّ بأن يؤمنوا بها، وكان ذلك قبل خلق آدم.
وإذ لم يكن قبل آدم عليه السّلام رسل من الإنس، فلا بدّ أن يكون الرّسل المرسلون إليهم من الجنّ.
فينبغي حمل الآية على ظاهرها دون تأويل، وإثبات أنّ اللّه عزّ وجلّ قد أرسل إلى الجنّ رسلا منهم.
لكن بعد أن أرسل اللّه- جلّ جلاله وعظم سلطانه- إلى البشر رسلا منهم، مبشّرين ومنذرين، وصار باستطاعة الجنّ أن يتبلّغوا دين اللّه عن طريق الرّسل من الإنس، ولمّا كان تكوين الإنس أكمل وأحسن تقويما من الجنّ، مع الاشتراك في طبائع نفسيّة متشابهة، فقد يكون من الحكمة الرّبّانيّة الاكتفاء برسل الإنس، لتبليغ الجنّ دين ربّهم.
وربّما كان لهم أيضا مع الرّسل من الإنس رسل من الجنّ في عصور سلفت، قبل بعثة محمّد صلى اللّه عليه وسلم، إذ جعله اللّه رسولا للإنس والجنّ، وخاتم الأنبياء والمرسلين جميعا.