فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 538
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ* قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ* يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ* وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ: أي: وضع في ذاكرتك يا محمّد هذا الحدث الذي جرى وقت صرف نفر من الجنّ عمّا كانوا فيه، وأرسلناهم إليك، واذكره في بياناتك التي تدعو بها إلى سبيل ربّك.
ضمّن فعل"صرف"معنى فعل"أرسل"وعدّي تعديته، فأغنت الجملة عن جملتين، إحداهما دلّ عليها الفعل في (صرفنا) والأخرى دلّت عليها عبارة (إليك) وهذا من الإيجاز البديع في القرآن.
أصل فعل"صرف"يعدّى بحرف"عن". يقال صرفه عن الأمر، أو عن العمل. والمناسب للتعدية ب (إليك) في هذا البيان فعل"بعث"أو"أرسل".
وتحدّث اللّه عزّ وجلّ في هذا البيان بنون المتكلّم العظيم للإشعار بأنّ هذا الصّرف وهذا الإرسال، قد كانا بوسائل لطيفة خفيّة، لا يملكها إلّا الرّبّ القدير اللّطيف الخبير.
نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ: النّفر: يطلق على عدد من الرّجال ما بين الثلاثة إلى العشرة. مِنَ الْجِنِ متعلّق بمحذوف هو صفة للفظ نَفَرًا.
يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ: جملة في محلّ نصب على أنها صفة ل"نفرا"أي: نفرا مستمعين للقرآن بعناية وقصد، ويدلّ هذا على أنّهم قد بلغتهم أنباء بعثة الرّسول محمّد صلّى اللّه عليه وسلم، ونزول كتاب عليه من ربّ العالمين،