فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 576
يوهمون المستعيذين بهم أنّهم من الملائكة، وقد يطلبون منهم عبادتهم، أو عبادة سيّدهم، وهو في الحقيقة الّتي يقصدونها إبليس عليه لعنة اللّه، وقد يطلبون منهم عبادة وثن أو صخرة أو شجرة أو حيوان أو إنسان حيّ أو ميّت.
وعبارة: بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِ تفيد أنّ الجنّ فيهم رجال ونساء، وأنّهم يتزاوجون، ويتناسلون كالإنس.
وبما أنّهم يشبهون في صفاتهم النفسيّة الإنس، وهم موضوعون موضع الامتحان في الحياة الدنيا كالإنس، وإن نزلت رتبتهم عن الإنس بوجه عامّ، وبما أنّهم يتكلّمون بلغات الإنس على اختلاف ألسنتهم، مع احتمال أن تكون لهم لغات خاصة يتخاطبون بها، فليس من المستغرب أن يسمّوا ذكورهم البالغين رجالا، وأن يسمّوا إناثهم البالغات نساء، أو يكون النصّ القرآنيّ ترجمة لما قالوا. فلا يقال إنّ لفظة"رجال"خاصّة بالذكور البالغين من الإنس.
أمّا الملائكة فبما أنّهم لا يتناكحون ولا يتناسلون، فليس فيهم ذكور ولا إناث، ولا رجال ولا نساء.
وأمّا ذكور وإناث البهائم فلا يقال لمن بلغ منها رجال ولا نساء، لأنّها غير عاقلة، وغير موضوعة في الحياة الدّنيا موضع الابتلاء.
وبهذا التحليل يسقط الاعتراض، وتندفع الإشكالات، ويثبت أنّ في الجنّ رجالا ونساء، وأنّهم يتناسلون، وأنّ لهم ذرّيات، ولهذا أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ لإبليس ذرّيّة يضلّون ويغوون بالوسوسة والتسويل، فقال اللّه عزّ وجل في سورة (الكهف/ 18 مصحف/ 69 نزول) :
وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ كانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا