فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 580
قرئ كما سبق بيانه مع نصّ السورة بفتح همزة: وأنا وبكسرها، وقد سبق توجيه القراءتين في نظيرتيهما في القضيّة الخامسة.
فأبان هؤلاء النّفر من الجنّ في دعوتهم قومهم إلى الإيمان بالقرآن وبالرسول محمّد صلى اللّه عليه وسلم، وبما جاء به عن ربّه، أنّهم ارتقوا حتى لمسوا السّماء لاستراق السّمع من الملائكة كعادتهم السابقة فوجدوا السّماء قد ملئت حرسا شديدا، وملئت شهبا تلاحق مسترقي السّمع من الجنّ بالرّجم بالشّهب.
فدلّت هذه المقالة على أنّ هؤلاء النّفر هم من فئة الجنّ الطيّارين، الذين لهم قدرة على الارتقاء في الجوّ باتّجاه السّماء الدنيا لاستراق السّمع، فهم يخبرون عن ظاهرة جديدة في السماء، وهي امتلاء كلّ الأماكن التي كانوا يسترقون السّمع من الملائكة إذا وصلوا إليها، لمنعهم من الاقتراب واستراق السّمع.
لَمَسْنَا اللّمس: هو المسّ باليد، يقال لغة: لمسه يلمسه ويلمسه، أي: مسّه بيده، ولامسه ملامسة ولماسا، أي: تشاركا في المسّ، فكلّ منهما مسّ الآخر.
فيظهر أنّ ارتقاءهم لم يكن يزيد على بلوغ مواطن المسّ، دون الدّخول في السّماء، حيث الملائكة منتشرون يعبدون ربّهم.
مُلِئَتْ: التّعبير بالملء قد يدلّ على أنّه كان في السّماء حرس، وكان الجنّ المسترقون للسّمع يطردون رجما بالشّهب، لكنّها لم تكن مملوءة بالحرس والشّهب، بل كان فيها أماكن غير محروسة.
حَرَسًا: مفرده"حرسيّ"فهو اسم جنس جمعيّ، يوصف بالمفرد وبالجمع. الحرس: هم الجند الّذين يرتّبون لحفظ ذي السلطان وحراسته.
ووصف لفظ حَرَسًا بلفظ شَدِيدًا أي: قويّا، صعبا، عظيم القدرة.
وَشُهُبًا: الشّهب: جمع"شهاب"وهو الشعلة السّاطعة من النار.