معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 600
ومن فقد الإدراك والإحساس، وهو في الأصل جسم نام مدرك ذو حواسّ ظاهرة وباطنة، صار كشجرة مجثوثة لا حياة فيها، وقد يبست بمرور الزّمن، فهي قطعة من الحطب الّذي توقد به النار.
وقد فهم هؤلاء النّفر من الجنّ، أنّ الكّافرين منهم الذين يجورون فلا يتّبعون صراط اللّه المستقيم، يعذّبون في جهنم، ممّا سبق أن أنزله اللّه من قرآن قبل إنزال سورة (الجنّ) .
فقد جاء في بعض السّور النازلة قبلها أنّ الجنّ يعذّبون في نار جهنّم كالإنس، إذا اختاروا لأنفسهم في الحياة الدنيا أن يكونوا كافرين، على أيّ مذهب من مذاهب الكفر بالحقّ، وبما أنزل اللّه لعباده، وفق آخر تنزيل أنزله إليهم.
ويلاحظ في عبارة: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) ما يسمّى عند علماء البلاغة الاحتباك، وهو الحذف من الأوائل لدلالة الأواخر، والحذف من الأواخر لدلالة الأوائل.
إذ المعنى في هذه العبارة: فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا فكانوا من أهل الجنة دار النعيم ينعمّون فيها يوم الدين وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فاتّبعوا غيّا ولم يتحرّوا رشدا فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا يعذّبون فيها.
وبهذا ينتهي الدرس الأول من دروس السورة الثلاثة والحمد للّه على فتحه وتوفيقه ولا حول ولا قوّة إلّا باللّه