معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 599
والنفسيّ، والخلقيّ، والعمليّ، الموافق للحقّ والصّواب، أو لما هو الأفضل والأحسن والأكثر نفعا والأبعد عن الضّرّ والأذى.
ويفهم من تحرّي الّذين أسلموا الرّشد، أنّهم يجتهدون مدققين في قصد والتزام ما يحقّق لهم السّعادة العاجلة والآجلة يوم الدّين، وهذه السّعادة إنّما تتحقّق لهم بالإيمان بالحقّ، والأخذ بالصواب والعمل الصالح.
ولوحظ في اسم الموصول في عبارة: فَمَنْ أَسْلَمَ معنى الجمع فأشير إليه باسم الإشارة فَأُولئِكَ.
وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) : أي: وأمّا الجائرون بعدم إسلامهم، وهم الّذين عدلوا عن سلوك سبيل الهدى، وهو صراط اللّه المستقيم، إذ لم يؤمنوا بما أنزل اللّه عزّ وجلّ على رسوله، بل أصرّوا على ما كانوا عليه من ضلالاتهم السّابقات، وشركيّاتهم وكفريّاتهم المختلفات، فجعلوا أنفسهم باختيارهم الحرّ مستحقّين لأن يكونوا لجهنّم يوم الدّين، بمثابة الحطب الّذي يعدّ لتوقد به النّار، أو ليزيد به وقودها.
وهذا من التشبيه البليغ، إذ حذفت منه أداة التشبيه ووجه الشّبه.
إنّهم سوف يطرحون ويكبّون في جهنّم كما يطرح ويكبّ الحطب في النار.
فالنار تزيد وقودا بأجسادهم، وكلّما احترقت جلودهم ونضجت، بدّلهم اللّه جلودا غيرها ليذوقوا العذاب.
وفي تشبيههم بالحطب دلالة أخرى، وهي أنّهم بجحودهم للحقّ، ورفضهم أن يستجيبوا لنداء ربّهم في كتابه المنزّل، وإبائهم أن يتّبعوا الهدى، ويسلكوا الصراط المستقيم، صاروا كمن فقد قوى الإدراك فيه، ثمّ فقد قوى الإحساس الباطنة والظّاهرة، فصار لا يؤثّر فيه التّخويف والترهيب من عذاب اللّه في النار، ولا يؤثّر فيه الإطماع والترغيب في نعيم اللّه الخالد في الجنّة.