فهرس الكتاب

الصفحة 3450 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 623

إذا تأمّلنا بتدقيق في الطّور الّذي وصل إليه المشركون أعداء دعوة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم بمكّة، إبّان نزول سورة (الجنّ) وجدنا أنّهم، مع تخوّفهم من تفاقم دعوته وتكاثر أنصاره- ما زالوا يشعرون بأنّ الرّسول والّذين آمنوا معه، لا يملكون في ذلك الوقت قوى دفاع تحصّنهم من قوى مشركي مكّة، لو اجتمعوا عليهم، وأعدّوا العدّة لقمعهم، لكنّ أمرهم يتفاقم يوما فيوما، فهم لا بدّ أن يتخوّفوا من احتمالات المستقبل، وعليهم أن يسارعوا حتّى يتداركوا الأمر قبل أن يستفحل، ويفلت زمامه من أيديهم.

والسّياسة الحكيمة في مواجهة هذا الطّور الّذي بلغه مشركو مكّة، تقتضي إعطاءهم جرعات تهدئة تخدّرهم، وتبرّد لهيب توجّسهم من احتمالات تفاقم قوّة الرّسول والّذين آمنوا معه.

فحينما يقول لهم: إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا كما أمره اللّه عزّ وجلّ أن يقول لهم، فإنّ هذا القول يوقع في مشاعرهم أنّه ما زال بعيدا بعدا كبيرا عن الاستعداد لمقارعتهم بقوّة دفاعيّة، فتبرد حماستهم، ويتوقّف ولو إلى حين تجمّعهم للقمع، ولإعداد القوى القتاليّة لإيقاف امتداد القوّة الإسلاميّة.

إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا: أي: ماذا أفعل معكم، وحالي أنّني لا أملك في مقابلة تلبّدكم مجتمعين ضدّ دعوتي، وسيلة مادّيّة أضرّكم بها ضررا ما، لأمنع بها تألّبكم عليّ وعلى الّذين آمنوا بي واتّبعوني، وأنا لا أستطيع أن أعصي ربّي بالتّوقّف عن تأدية رسالاته الّتي اصطفاني لها، وأمرني بأن أقوم بأدائها؟

ويطوي الرّسول صلّى اللّه عليه وسلم في نفسه أنّ اللّه عزّ وجلّ لم يأذن له بعد بذلك، ولم يأذن له بعد بإعداد العدّة له، وأنّ اللّه سيأذن له مستقبلا بقتالهم، حينما تكون الظروف مواتية، وتكون احتمالات النّصر مرجوّة ضمن سنن اللّه السّببيّة في كونه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت