فهرس الكتاب

الصفحة 3449 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 622

جمّعتهم جموعكم لحربي، ومقاومة دعوتي، ومهما تلبّدتم عليّ، متواطئين ضدّي، وضاغطين على صدري، لقطع أنفاسي، وإسكان لساني.

لقد أشعر هذا القول: إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا مع قرينة تلبّد كبراء مشركي قومه بأنّهم طالبوه بإلحاح أن يكفّ عن دعوته إلى الدّين الذي جاءهم به عن ربّه، وإلّا قاوموه بقوّة، أو أنزل به آلهتهم شرّا، وأشعر أيضا عن طريق اللّزوم الفكريّ بأنّه لا يخشى منهم ولا من آلهتهم، فآلهتهم باطلة لا يؤمن هو بها، ولا يخشى شرّا يأتيه من قبلها، إذ لا ربّ في الوجود إلّا ربّ واحد، وهو سبحانه الإله الأحد، الّذي لا شريك له، ولا والد، ولا صاحبة ولا ولد. وهو لا يخشى أيضا منهم، لأنّ ربّه الّذي كلّفه القيام برسالته سيحميه.

وأخّر اللّه عزّ وجلّ بحكمته، تعليم رسوله ما يجيبهم به إجابة صريحة، على تهديدهم العمليّ له، بما يجمّعون من جموع لمقاومة دعوته، وربّما اقترن بهذا التّهديد العمليّ منهم تهديد قوليّ أيضا، إذ جاء في هذا الدّرس التعليميّ ما يدلّ على أنّ اللّه لم يأذن له بمقاومتهم مقاومة دفاعيّة مسلّحة، وجاء فيه ما يشعر بأنّه يؤثر تحمّل أذاهم، وتحمّل اضطهادهم لضعفاء المؤمنين، مهما بلغ ذلك، إذ هو يحمي نفسه من عقاب اللّه الشّديد الّذي يستحقّه لو كفّ عن دعوته، ولم يصدع بما أمره اللّه أن يصدع به.

ونحن نعلم من سيرة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم أنّ العهد المكّيّ كان عهد سياسة الصّبر وتحمّل الأذى، وكفّ الأيدي عن مقاومة القوّة المادّيّة بقوّة مادّية مسلّحة.

*** قول اللّه عزّ وجلّ خطابا لرسوله:

قُلْ إِنِّي لا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا رَشَدًا (21) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت