معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 621
التدبّر التحليلي:
قول اللّه عزّ وجلّ:
قُلْ إِنَّما أَدْعُوا رَبِّي وَلا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا (20) .
وفي القراءة الأخرى: [قال] ، أي: كما سبق بيانه: قُلْ ف [قال] كما أمره ربّه.
والمعنى: قل: يا محمّد: ما أعبد إلّا ربّي في سلوكي الشّخصيّ، وفي دعوتي إلى سبيله، وفي البلاغات الّتي أمرني بأن أبلّغها لعباده، وأنا لا أشرك به أحدا.
إِنَّما أداة حصر، وهي في معناها تدلّ على ما يدلّ عليه النّفي والاستثناء ب"إلّا"بعده، والمقصور بهذه الأداة هو ما يليها مباشرة، والمقصور عليه هو الذي يجيء بعده. فالمعنى: أقصر دعائي على ربّي، أي: ما دعائي إلّا لربّي، فربّي وحده هو الموصوف بأنّي أدعو إليه، وهو قصر حقيقيّ من قبيل قصر الصّفة على الموصوف عند علماء البلاغة.
فقال الرّسول محمّد وفق دلالة القراءة الثانية: إنّني فيما أدعو، وفيما أبلّغ عن ربّي، أقوم بما يجب عليّ من عبادة تجاه ربّي الّذي لا شريك له في ربوبيّته، ولا في إلهيّته. فأنا لا أتلقّى الأوامر منكم ولا من آلهتكم الباطلة الّتي تعبدونها من دون اللّه عزّ وجلّ، حتّى أتوقّف عن عبادتي لربّي في القيام بما يجب عليّ من دعوة إلى سبيله، وفيما يجب عليّ من تبليغ كتابه الّذي ينزّله عليّ تباعا نجما فنجما.
إنّكم تطالبونني بأن أتوقف عن دعوتي إلى سبيل ربّي، وبأن أتوقّف عن تبليغ القرآن الّذي ينزّله عليّ، وأنا لا استجيب لمطلبكم هذا، فأنا أعبد ربّي الذي لا شريك له، وهو الّذي كلّفني أن أقوم بهذا التّبليغ، وأن أدعو إلى سبيله، وسأتابع عبادتي لربّي في تبليغ دينه، ونشره بين عباده، مهما