فهرس الكتاب

الصفحة 3452 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 625

روي أنّ كفّار قريش قالوا للنّبيّ صلّى اللّه عليه وسلم: إنّك جئت بأمر عظيم، وقد عاديت النّاس كلّهم فارجع عن هذا فنحن نجيرك.

فاقتضى هذا أن يبيّن لهم أنّه مسؤول تجاه ربّه عن تبليغ ما يأمره بتبليغه للنّاس، وإن لم يقم بهذا الواجب العظيم، فإنّ اللّه يعاقبه عقابا شديدا، ولن يجيره فيحميه من عذاب اللّه أحد، ولن يجد من دون اللّه مكانا يميل إليه، ويلتجئ فيه، ليدفع عن نفسه عذاب اللّه، لو أنّه ترك دعوته إلى دين ربّه، وكفّ عن القيام بأداء رسالته، فأنزل اللّه عزّ وجلّ عليه هذا التعليم.

قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي: أي: قل يا محمّد إنّي أأكّد لكم أنّي إذا استجبت لطلبكم فلن يمنعني ولن يحميني من عذاب اللّه الشّديد أحد في الوجود كلّه، وإنّي أخاف من عذابه.

أصل هذا التعبير أنّ العرب كانوا يحمون ويمنعون من يدخل في جوارهم ممّن يريده بشرّ، لأنّ جارهم عزيز بهم، وكان عزيز القوم إذا أعلن أنّ فلانا جار له، فقد أعلن أنّه يمنعه ويحميه، كما يمنع أهله ويحميهم، ويقال لكلّ من المستجير والمجير:"جار".

وكان متى قال أحد يخاف على نفسه في مجتمع عربّيّ أنا جار فلان، وكان ذلك الرّجل عزيزا في قومه، فإنّ أحدا لا يستطيع أن يمسّه بما يكره، وإن فعل نصره المستجار به بكلّ ما يملك من قوّة وعزّة.

مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ: أي: لن يجيرني من عذاب اللّه وعقابه وانتقامه منّي أحد، وإنّي أخاف من عذاب اللّه.

"لن"أداة نفي فيها معنى تأكيد النّفي، ويفهم التأبيد هنا من أنّ اللّه عزّ وجلّ القادر على كلّ شيء الأزليّ الأبديّ هو المخوف من عذابه.

وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا: أي: ولن أجد من شيء في الوجود

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت