فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 643
ومن خلفهم، ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربّهم؟!!!
أقول:
إنّ اللّه عزّ وجلّ قد أقام الكون كلّه ما هو غير منظور منه لبعض خلقه، وما هو منظور، وفق نظام الأسباب والمسبّبات، وهو سبحانه يجري مقاديره من داخل قنوات الأسباب، ويربط النتائج والمحاسبات، والأحكام، والأقضية، والجزاءات، وفق ما تقدّمه الأسباب والمسببات من بيانات عن الواقع، فهو سبحانه يحاسب ويحكم ويجازي بناء على ما تثبته الأدلّة السببيّة من علم، ولا يبني على علمه الخاصّ المحيط بكلّ شيء، ليعطي الولاة، والقضاة، والحكّام، من عباده أسوة من نفسه جلّ جلاله، حتّى لا يحكموا على العباد من خلال علمهم الخاصّ، بمن يحكمون له أو عليه.
وسنن اللّه عزّ وجلّ في كونه سنن ثابتة ذات شمول عام، وكون الملائكة معصومين، لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون، وكون المختارين منهم للقيام برسالاته، هم أكثر عصمة عن المعاصي، لا يتنافى مع إجراء الأنظمة السّببيّة، التي جعلها اللّه عزّ وجلّ من سننه الثابتة.
وقد تدلّ إحاطتهم بالرّاصدين لهم، المراقبين لأعمالهم، على احتمال تعرّض الملائكة المختارين للخطأ، أو السّهو، دون قصد منهم، وهذا لا يسمّى معصية ولا مخالفة لأوامر اللّه، فتكون وظيفة الرّصد لفت النّظر للخطأ غير المقصود، أو للسّهو الذي لم يأت عن تهاون.
وقد يدلّ أيضا على احتمال تتبّع الجنّ لهم وهم في الأرض لاستراق السّمع منهم، أو لعرقلة بعض أعمالهم، ولا سيما إذا كانوا من الشياطين، فتكون وظيفة الرّصد طرد هؤلاء عنهم، أو تنبيههم عليهم، حتّى يؤدّوا رسالات ربّهم كاملة، وبغاية الدّقّة، دون تفريط ولا غلوّ في صغير ولا كبير.
واللّه أعلم بمراده.