فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 648
وسبق لدى تدبّر السّورة اكتشاف ترابط وتعانق آياتها وقضاياها، وتسلسلها في وحدة موضوع، من ثلاثة دروس مطابقة للطّور الّذي كان قد وصل إليه المشركون وهم في شقّ، والمسلمون وهم في شقّ مقابل مضادّ، خلال المرحلة الّتي نزلت فيها السورة.
وهو الزّمن الذي بدأت فيه دعوة الإسلام تنتشر في جماعات من الجنّ.
بدأت السّورة بتكليف الرّسول صلى اللّه عليه وسلم أن يقول: أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِ وأن يحكي مقالاتهم داعين إلى الإسلام بين جماعاتهم كما أنزلها اللّه عليه، وقد فهمنا أنّهم كانوا دعاة بين قومهم، من إيحاءات الترابط الفكري بين مقالاتهم.
كان أسلوبهم في بدء دعوتهم إلى الإسلام بين قومهم من الجنّ، يتضمّن إنباءهم بالحدث الجديد الّذي اكتشفوه في عالم الإنس، وأنّهم سمعوا قرآنا عجبا معجزا يهدي إلى الرّشد فآمنوا به، وتخلّصوا من الشّرك الذي كانوا يعتقدونه، ولن يعودوا إليه، وأبعدوا عن تصورّاتهم خرافة أن يتّخذ اللّه صاحبة أو ولدا، كما يظنّ النصارى.
وبعد هذا الإعلان الابتدائي أخذوا يبيّنون بين قومهم ما كانوا عليه قبل إيمانهم بالقرآن، واتّباعهم الرسول محمّدا صلى اللّه عليه وسلم مسلمين.
فذكروا منشأ الضّلال الّذي ضلّوا به، وضلّ به جماعات كثيرات من الجنّ، وهو ما كان ينشره بينهم سفيههم الأكبر إبليس، وسفهاء الجنّ من ورائه من ضلالات.
وأنّ تأثّرهم به كان بسبب اعتمادهم على الظّنّ الباطل، الذي جعلهم يصدّقون الكاذبين من الإنس والجنّ، متوهّمين أنّ الإنس والجنّ لن يقولوا على اللّه كذبا.