فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 649
وعرضوا من أحداث ضلالات الإنس أنّ رجالا منهم كانوا يعوذون برجال من الجنّ الّذين كانوا لا ينفعونهم، بل يزيدونهم أثقالا مرهقة ومتاعب.
وعرضوا أيضا من ضلالات الإنس المماثلة لضلالات الجنّ، إنكارهم البعث للحساب وفصل القضاء وتحقيق الجزاء يوم الدين، اعتمادا على الظّنّ التوهّميّ الباطل.
وبعد هذا العرض انتقلوا إلى بيان سبب تحوّلهم وبحثهم عن الحقيقة.
فذكروا أنّهم صعدوا إلى السّماء كعادتهم، إذ هم من الجنّ الطّيّارين، ليسترقوا السّمع من الملائكة، فلمّا لمسوا السّماء، وجدوها قد ملئت حرسا شديدا وشهبا، وأنّها صارت محروسة كلّ المنافذ والمقاعد.
وأنّهم أخذوا يفكّرون في أسباب هذه الظّاهرة الجديدة، أهي لشرّ وإهلاك أريد بأهل الأرض، أم أراد بهم ربّهم رشدا، إذ منع الشّياطين الّذين يسترقون السّمع من السّماء، لنقل الأخبار إلى أوليائهم من الإنس، حتى يقطع دابر الكهانة، الّتي كانت تضلّ كثيرا من الناس؟
وأجابوا على سؤال يمكن طرحه على إيرادهم الاحتمالين على سبيل التكافؤ، بأنّ الجنّ فيهم الصالحون من الدّرجة الممتازة، وحال هؤلاء لا يستدعي إنزال الإهلاك الشامل، وفيهم دون الصّالحين حتّى أخسّ دركات الكفر والإجرام، وحال هؤلاء قد يستدعي الإهلاك الشامل.
فتكافأ الاحتمالان في نظرهم.
وعلى تقدير احتمال الإهلاك الشامل، فهل هم قادرون على حماية أنفسهم، في ملاجئ من الأرض، أو حماية أنفسهم بالهرب في الآفاق بعيدا عن الأرض، وهم من الجنّ الطيّارين؟! لكنّهم ظنّوا ظنّا راجحا أنّهم لن يعجزوا اللّه في الأرض، ولن يعجزوه هربا في اتّجاه السّماء.