فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 5، ص: 650
وبعد أن أتمّوا وصف حالهم الّتي كانوا عليها، قبل أن يسمعوا القرآن ويؤمنوا بهداه، لا بدّ أن ندرك أنّهم ملكوا لدى فريق من الّذين ينشرون دعوة الإسلام بينهم إمكانيّة التأثير فيهم.
عندئذ أبانوا أنّ هذا الّذي عرضوه قد كوّن لديهم قناعة كافية بضرورة الإيمان بمحمّد صلى اللّه عليه وسلم، وبما جاء به، فآمنوا، وقالوا:
وَأَنَّا لَمَّا سَمِعْنَا الْهُدى آمَنَّا بِهِ فَمَنْ يُؤْمِنْ بِرَبِّهِ فَلا يَخافُ بَخْسًا وَلا رَهَقًا (13) .
وهنا ندرك أنّ فريقا من الجنّ استجابوا لدعوة هؤلاء النّفر، تأثّرا بأقوالهم الصادقة، فأسلموا واتّبعوا الهدى، وأنّ فريقا آخرين أبوا أن يستجيبوا، كشأن كلّ ذوي الإرادات الحرّة، فكان من حال هؤلاء الّذين أبوا أنّهم جاروا وعدلوا عن السّبيل الحقّ، متّبعين أهواءهم، وملتزمين ضلالاتهم.
ثمّ ندرك أنّ هؤلاء النّفر من الجنّ، تابعوا دعوتهم بين قومهم بعد ما انضمّ إليهم الّذين استجابوا لهم، وآمنوا بمثل ما آمنوا به، وأسلموا للّه ربّ العالمين.
فأضافوا إلى مقالاتهم السّابقات مقالة جديدة، حكاها اللّه عزّ وجلّ عنهم بقوله:
وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ وَمِنَّا الْقاسِطُونَ فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا (14) وَأَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا (15) .
وبهذا انتهى الدرس الأوّل من دروس السورة.
وهنا دخل الدرس الثاني من كلام اللّه بيانا، لا على سبيل الحكاية لمقالات النّفر من الجنّ، وجاءت قضاياه معطوفة بحرف العطف (الواو)