معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 27
وحين يضع المتدبّر لسورة (يس) ظروف هذه المدّة الزمنيّة من تاريخ دعوة الرّسول، فلا بدّ أن تتفتّح أمامه أبواب الفهم الصحيح لآيات السورة، وإدراك دلالاتها، وإدراك ما ترمي إليه من أغراض، وإدراك أنّ المعنيّين فيها هم المشركون في أمّ القرى، والتابعون لهم ممّا حولها، ويقاس أمثالهم عليهم، فإذا استقرت الدّعوة وتنامت، فالخطّة الهادفة إلى تبليغ الناس أجمعين، أن تتّسع شيئا فشيئا ضمن دوائر تنداح باتّساع حتّى تبلغ كلّ سكّان الأرض في تراتيب خطّة الدّعوة إلى دين اللّه الرّبّانية.
التدبّر التحليلي:
قول اللّه عز وجلّ:
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) ،
* يس (1) : حرفان مقطعان جاءا في أول هذه السورة"يا"و"س"وقد سبق في سورة ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (1) بيان ما يتعلّق بالحروف المقطعة الواردة في أوائل بعض السّور، فلا حاجة إلى الإعادة.
وأورد المفسّرون عدّة آراء حول معنى (يس) إلّا أنّها لا تملك دليلا عقليا، ولا نقليا، ولا لغويا، فمن الخير أن نقول هي رموز بين اللّه ورسوله وقد يكتشف بعض الباحثين مستقبلا باستخدام الحاسبات الآليّة دلالات لها، لا يستطيع الذّهن البشريّ وحده اكتشافها.
وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) : يقسم اللّه عزّ وجلّ في هذه العبارة بالقرآن الحكيم،"الواو"حرف جرّ حمل معنى القسم، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف تقديره:"أقسم"فالمعنى: أقسم بالقرآن الحكيم.
وقد وصف اللّه عزّ وجلّ القرآن بأنّه حكيم، أي: محكم في مبانيه،