فهرس الكتاب

الصفحة 3578 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 38

فدلّ هذا النّصّ على أنّ هؤلاء الكفرة المشركين المترفين من كبراء مكّة، قد فهموا ما في القرآن من قضايا الإيمان والإنذار بعذاب اللّه يوم الدّين للكافرين، وأنّ الّذي جاءهم به الرّسول محمّد قد جاء نظيره لآبائهم الأوّلين، وأنّهم يعلمون ذلك، وأنّهم يعرفون صدق الرّسول وما يتحلّى به من خلق عظيم، وما يتّصف به من فطنة فائقة وعقل راجح.

كلّ هذه النّصوص تدلّ على أنّ المراد بقول اللّه تعالى: لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) على الإثبات لا على النفي.

وعبارة فَهُمْ غافِلُونَ في الآية تؤيّد الإثبات، لأنّ الغفلة حالة عند اليقظان تجعله لا يشعر ببعض ما هو في دائرة إدراكه من حوله أو في نفسه، لانصراف كلّ همّه وتوجّهه لأمور أخرى هو متعلّق بها.

فإثبات أنّهم غافلون يدلّ على أنّهم يعلمون ما أنذر به آباؤهم، إلّا أنّهم غافلون عنه، بسبب انصراف نفوسهم إلى شهواتهم، وأهوائهم من الدّنيا، فهم غير مستعدّين لترك شيء من حظوظ الدّنيا، استجابة لدعوة الرّسول مهما حذّرهم وأنذرهم، ومهما كان لديهم من أنباء الرّسل السّابقين في مواريث أخبار آبائهم.

فإنذار الرّسول لهم إنذار ينبّههم من غفلتهم، ولا يعلمهم بما كانوا يجهلونه.

والعبارة على تقدير: لتنذر قوما عذاب اللّه الّذي كان آباؤهم قد أنذروه، فأهملوه وأعرضوا عن تذكّره مع المناسبات الداعيات إلى تذكّره، فهم غافلون عنه، لا يكترثون له، ولا يعبؤون به.

ويحمل على هذا ما صحّ من أحاديث الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، ومنها ما يلي:

(1) ما جاء عند البخاري ومسلم من أنّ الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم رأى عمرو بن لحيّ في جهنّم وهو الّذي سيّب السّوائب في الجاهليّة العربيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت