فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 41
الآية بقوله: وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ، أي: وكذّب هؤلاء بأقوالهم هذه، وكذّب الّذين من قبلهم من أهل القرون السابقة كذلك، وكانوا أشدّ من كفّار مكّة قوة وبأسا فأهلكهم اللّه عزّ وجلّ.
وأمّا قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) .
مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (15) .
فقد اشتمل على أربعة قوانين دستوريّة عامّة من قوانين الجزاء الرّبّاني:
القانون الأول: مَنِ اهْتَدى فَإِنَّما يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ: أي: إذ يجلب لها باتّباعه الهدى السّعادة الأبديّة بفضل ربّ العالمين، واهتداؤه الّذي يجلب له سعادته لا يشاركه فيها غيره، مهما كان التصاقه به وثيقا بقرابة ورحم، أو حبّ، فثوابه له وحده.
القانون الثاني: وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّما يَضِلُّ عَلَيْها: أي: يضلّ جانيا على نفسه، إذ يلقي عليها عقوبات اختياره سبل الضّلال. وضلاله لا يضرّ غيره، ما لم يكن له تسبّب بإضلال غيره، ومن كان سببا في إضلال غيره، فإنّه يعاقب على أعماله السّببيّة، لا على أعمال الآخرين الاختياريّة.
القانون الثالث: وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى: أي: ولا تحمل نفس تكتسب باختياراتها أوزارها فهي باكتسابها لها وازرة، وزر نفس أخرى تكتسب باختياراتها أوزارها.
القانون الرابع: وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا: أي: وما كان من شأن اللّه ولا من سنّته الحكيمة، أن يعذّب الموضوعين موضع الامتحان، على كفرهم وعدم إيمانهم، حتّى يبعث رسولا يبلّغ الممتحنين مطلوب اللّه منهم، وقد بعث اللّه في الواقع الفعليّ لكلّ أمّة رسولا، فقد تحقّق هذا