معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 61
كلمة"أحصى"لما في هذه الكلمة من معنى إحصاء أعداد مقادير كلّ شيء، وكأعداد الذّرّات في كلّ خليّة، وأعداد الألكترونات في كلّ ذرّة، وما دون ذلك من صغريات، وأعداد أجزائها.
وَكُلَّ شَيْءٍ نصب لفظ:"كلّ"بفعل محذوف مثل الفعل الذي جاء بعده، في عبارة: أَحْصَيْناهُ لاشتغاله عنه بضميره، وفائدة هذا الإجراء إيراد جملتين لتأكيد قضيّة واحدة، مع عدم الإشعار بأنهما جملتان.
وجاء استعمال ضمير المتكلّم العظيم في عبارة أَحْصَيْناهُ إشعارا بعظمة هذا الإحصاء، الّذي يدلّ على عظمة قدرة الرّبّ جلّ جلاله، وشمول علمه كلّ شيء يعلم.
وعبارة وَكُلَّ شَيْءٍ تشمل كلّ ما يحيط به العلم.
فِي إِمامٍ مُبِينٍ: الإمام المبين للكتب هو اللّوح المحفوظ، لأن صحف الملائكة النازلة بما شاء اللّه تنزيله تنسخ عنه.
المبين: الواضح الجلي، والمظهر الموضح.
الإمام: هو في اللّغة ما يؤتمّ به، أي: يتّبع، فالإمام في الصّلاة هو الذي يتّبعه المقتدون. ويطلق لفظ الإمام على الخليفة، وعلى قائد الجند، وعلى دليل المسافرين، وعلى الطريق الواسع الواضح، وعلى المثال الذي يوضع ليعمل على وفقه، وعلى الكتاب الذي تنسخ النسخ على وفقه، وتؤخذ النّصوص الصّحيحة منه حرفا بحرف وكلمة بكلمة.
وإنّ من عظيم حكمة الباري جلّ جلاله أنّه دلّ على علمه الشامل لكلّ شيء، ما كان، وما هو كائن، وما سيكون أو سوف يكون، بكلماته التامّات، وكتب كلماته التامّات الدّالّات على علمه الشّامل في كتاب من قبل أن يبرأ الخلق، وأطلق على هذا الكتاب عدّة أسماء:
1 -الكتاب المبين.