معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 87
قول اللّه عزّ وجلّ:
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قالَ يا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ (26) بِما غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) .
قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ: من البدهيّ أنّ هذا قد كان بعد أن قتله قومه، أي: أمر اللّه ملائكة الرّحمة أن تقول له: ادخل الجنّة، فقالوا له مكرّمين:
ادخل الجنّة، إذ لفظ روحه شهيدا في سبيل اللّه، مجاهدا بأفضل أنواع الجهاد، وهي كلمات حقّ وصدق ودعوة إلى دين اللّه، قالها داعيا بها ذوي سلطان كفرة فجرة طغاة بغاة جبّارين.
والمراد بدخوله الجنّة ما جاء بيانه فيما صحّ عن النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم من أنّ أرواح الشهداء، تدخل في أجواف طيور خضر، لها قناديل معلّقة تحت العرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، وتأكل من ثمارها.
وهذا في الحقيقة دخول جزئيّ في الجنّة، وليس هو الدخول الموعود به يوم الدّين.
روى مسلم والتّرمذيّ عن ابن مسعود قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"إنّ أرواح الشّهداء في جوف طير خضر، لها قناديل معلّقة تحت العرش، تسرح من الجنّة حيث شاءت، ثمّ تأوي إلى تلك القناديل، فاطّلع إليهم ربّهم اطّلاعة فقال: هل تشتهون شيئا؟."
قالوا: أيّ شيء نشتهي، ونحن نسرح من الجنّة حيث شئنا؟!.
فيفعل ذلك بهم ثلاث مرّات، فلمّا رأوا أنّهم لم يتركوا من أن يسألوا، قالوا: يا ربّ نريد أن تردّ إلينا أرواحنا في أجسادنا، حتّى نرجع إلى الدّنيا، فنقتل في سبيلك مرّة أخرى.
فلمّا رأى أن ليس لهم حاجة تركوا"."