معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 86
وقد سبق أن ظهر لنا أن قومه يؤمنون بأنّ الرحمة من صفات اللّه عزّ وجلّ مع عباده في الأرض، فهو الرّحمن، على خلاف عقيدة كثير من مشركي العرب الّذين كانوا ينكرون اسم اللّه الرحمن، وينسبون صفة الرّحمة إلى آلهتهم الّتي يعبدونها.
وبعد أن وضع هذا الرّجل المؤمن قومه أمام هذا البرهان التجريبيّ، الّذي جرّبه بنفسه، أعلمهم بأنّه إذا استمرّ على الباطل الّذي كان عليه، فإنّه إذا لفي ضلال مبين واضح جليّ، دلّ على هذا قوله: إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) .
وأرى أنّه استعمل الفعل المضارع في عبارته، أو ما يماثله في لغته، إذ قال لقومه: أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً على معنى أتريدون منّي أن أتّخذ مستقبلا آلهة من دون ربّي، وحالي معهم بين يدي الرّحمن أنّي: إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ مستقبلا (بضر) ينزله بي مادّيّ أو معنويّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (23) بدلالة تجربتي السّابقة معهم؟؟!
إنّني أكون إذا بعد سوابق التجارب في ضلال مبين واضح جليّ، أي: في ضياع واضح، وفي مجافاة بيّنة لطريق الحقّ والهدى.
وهنا ظهرت حجّة الرّجل المؤمن قويّة واضحة برهانيّة، وانقطعت حجج القوم وأفحموا، فلم يجدوا أمامهم إلّا أن ينتصروا لأنفسهم بقتله، فقدّموه للقتل.
فتوجّه هذا الرّجل المؤمن المجاهد الصّابر الشّجاع، قبيل تنفيذ الأمر بقتله، لجماهير قومه المحتشدين، فنادى بأعلى صوته متحدّيا داعيا، بما جاء في قول اللّه تعالى حكاية لقوله:
* إِنِّي آمَنْتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ (25) .
وعقب هذا نفّذوا فيه حكم القتل فقتلوه، فلفظ روحه شهيدا في سبيل اللّه، دلّ على هذا الحدث المطويّ في النّصّ من قصّته: