معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 85
وهنا يظهر للمتدّبّر أنّهم دافعوا عن عقيدتهم في آلهتهم، وأنّ دفاعهم عنها يتلخّص بأنّ عبادة هذه الآلهة تنفع عند الرّحمن، فإذا عبدتها كانت شفيعة لك عنده.
والجواب الذي اختاره هذا الرّجل المؤمن المجاهد بلسانه ومحاجّته، هو ما دلّ عليه القول المحكيّ عنه في النصّ:
أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ (23) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (24) :
دلّ هذا النّصّ على أنّ هذا الرّجل المؤمن، قد وضع قومه أصحاب القرية أمام برهان مسبوق بتجارب، وهذا البرهان يدعم إيمانه، ويسقط مفهوماتهم الشركيّة.
فالنّصّ يوحي بأنّه قال لهم: لقد جرّبت آلهتكم فيما نزل بي من ضرّ فيما مضى، فدعوتها، وعبدتها، واستشفعت بها، فلم تغن عبادتي ودعائي لها عنّي شيئا، لأنّ ما نزل بي من ضرّ قد كان من اللّه عزّ وجلّ، لا من آلهتكم، فإن كان لها شفاعة عند اللّه كما تزعمون، وكانت تمنح شفاعتها لمن يدعوها ويعبدها، فقد جرّبتها في هذا فلم تنفعني شفاعتها شيئا.
إذن: فلماذا أستمرّ على عبادتها، وحالي معها بين يدي الرّحمن هو: إن يردن الرّحمن مستقبلا بضرّ، وعبدتها ودعوتها مستشفعا بها، لا تغن عنّي شفاعتها شيئا عند الرحمن، ولا هي تنقذني بوسائل غير الشفاعة، ولا هي تدفع عنّي الضّرّ الّذي يريد أن ينزله الرّحمن بي.
ومعلوم أنّ الدّليل التّجريبيّ من أقوى الأدلّة لقياس المستقبل عليه.
وقد آثر هذا الرّجل المؤمن أن يذكر من أسماء اللّه اسم"الرّحمن"ليشعر القوم بإيمانه بأنّ ما ينزل اللّه به من ضرّ في الدنيا فإنّه مظهر من مظاهر رحمته، لا من مظاهر غضبه ونقمته.