معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 84
والقراءتان متكاملتان، إنّهم يرجعون، فيطاوعون فيرجعون بالجبر، ويظهر للمتدبّر أنّ ملأ قومه قالوا له: كيف تعبد الرّحمن وحده، ولا تعبد آلهة قومك، آلهة آبائك وأجدادك.
فقال لهم: وَما لِيَ لا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي؟!
استفهام فيه معنى التّعجّب والإنكار على اعتراض قومه عليه.
أي: ما حجّتي وما هو السّلطان الّذي لي يحميني من عذاب ربّي الّذي فطرني، وما هو النّصير المدافع عنّي الذي ينصرني فيدفع عنّي عذابه، حالة كوني لا أعبده وهو الّذي فطرني وحده؟!
إنّني إذا لم أعبده وعبدت آلهتكم من دونه، أو جعلتهم شركاء له، دون أن يكون لي في ذلك برهان من اللّه، فإنّني أعرّض نفسي حتما لعذابه الأبديّ، إذ أكون كافرا به، ولو من كفر الشّرك الّذي هو أخفّ دركات الكفر.
وهنا يظهر للمتدبّر من المطويّات أنّ القوم قالوا له: لقد عبد آباؤنا وأجدادنا من قبلنا آلهتنا ولم ينزل بهم عذاب اللّه كما تزعم؟!.
والجواب المناسب الّذي قد أجابهم به قد اعتمد فيه على الإيمان باليوم الآخر، وأنّ مرجع النّاس جميعا إلى اللّه يوم الدّين، ليلاقوا حسابهم، وفصل القضاء فيهم، وتنفيذ الجزاء، فمن آمن وعمل صالحا دخل جنّات النّعيم، خالدا فيها مخلّدا أبدا، ومن كفر وأجرم دخل نار جهنّم خالدا فيها مخلّدا.
وهذا يستتبع أنّهم قالوا له: أتخشى أن ترجع إلى حياة أخرى بعد الموت للحساب والجزاء من قبل ربّك؟!
وكان جوابه: أنا إليه أرجع وأنتم إليه ترجعون، دلّ على هذا قوله لهم المذكور في الآية: ... وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (22) .