معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 90
عقب قتلهم الرّجل منهم دون فاصل زمنيّ كبير، وذلك لأنّ الخمود يستعمل لانطفاء النّار، وتحوّلها فحما أو رمادا، فدلّ استعمال الخمود هنا على أنّ لهيب غضبهم الّذي جعلهم يقتلون رجلهم الناصح لهم، لأنّه نصر المرسلين لم ينطفئ بقتلهم له، لكنّه خمد بإهلاكهم، إذ صاروا جميعا هم ونيران غضبهم الثّائر خامدين، كفحم ملتهب انطفأ دفعة واحدة بصورة مفاجئة دلّت عليها"إذا"الفجائيّة، في عبارة: فَإِذا هُمْ خامِدُونَ.
وبيانا لوسيلة إهلاكهم ذكر اللّه عزّ وجلّ أنّه لم ينزل لإهلاكهم جندا من ملائكة السّماء، أي: كما أنزل لإهلاك قوم لوط عليه السّلام، أو غيرهم من الّذين أهلكهم بإنزال جند من السماء. وذكر جلّ جلاله أنّ حال هؤلاء القوم ما كان يقتضي أن يهلكهم اللّه إلّا بالصّيحة الممبتة لهم، فقال تبارك وتعالى:
* وَما أَنْزَلْنا عَلى قَوْمِهِ مِنْ بَعْدِهِ مِنْ جُنْدٍ مِنَ السَّماءِ وَما كُنَّا مُنْزِلِينَ (28) إِنْ كانَتْ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً فَإِذا هُمْ خامِدُونَ (29) .
وفي هذا دفع لتزيّدات المتزيّدين، وتحديد قد يفيد يوما ما في معرفة المراد بالقرية، الّتي جاء ذكرها في هذه القصّة القرآنيّة، لاحتمال أن تكون الصيحة قد أهلكت كفّار القرية، ولم تغيّر شيئا من معالمها ومبانيها، واللّه أعلم.
ولعلّ في هذا إشارة إلى أنّ مكّة لو قضت حكمة اللّه بأن يهلك كفّارها يومئذ، فلن يهلكهم إلّا بالصّيحة، تكريما وصيانة للبلد الأمين.