معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 95
التدبّر التحليلي:
قول اللّه تعالى:
* يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) :
الحسرة على الشيء: تأتي في اللّغة بمعنى التأسّف، والحزن، والتّلهّف، وقد يرافقّ ذلك النّدم، وتلويم النّفس على ما كان منها، ممّا جرّ إلى ما اقتضى الحسرة والنّدم.
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ: نداء للحسرة، قالوا: وهذا النداء على معنى:
إن كان لك وقت يا حسرة، فهذا أوان حضورك.
وذكر المفسّرون تخريجات أخرى، أرى أنّها بعيدة عن أساليب القرآن الرّفيعة، منها أنّ المنادى محذوف، ولفظ"حسرة"منصوب على أنّه مفعول مطلق لفعل محذوف، والتقدير: يا هؤلاء تحسّروا حسرة.
أقول:
لم لا يكون نداء للحسرة أن تنزل بمكذّبي الرّسل المستهزئين بهم، وهو على معنى: يا عقابا عادلا انزل عليهم، فاشمل قلوبهم ونفوسهم بالحسرة والنّدم، على ما كان منهم من ظلم وإثم وعناد والتزام بالباطل، ورفض للحقّ.
جاء في العبارة النداء للحسرة، والمراد ما يسبّبها من العقاب والعذاب.
أو لم لا يكون هذا التعبير يا حَسْرَةً من باب النّدبة، والمعنى أنّ حال هؤلاء العباد المستهزئين برسل ربّهم، حال من يتوجّع محبّوهم والمشفقون عليهم من الحسرة لأجلهم، إذ يسعون كادحين إلى عذاب النار خالدين فيها.