معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 96
النّدبة الّتي ذكرها علماء العربيّة تكون لمتوجّع على فقده، أو لمتوجّع منه، أو لمتوجّع لأجله.
وقد استعمل العرب صيغة النداء في النّدب توجّعا وتفجّعا، وإن كان ما ذكره النّحويّون من شروط المندوب غير متحقّق هنا، والأمر يسير في أساليب التعبير.
وجاء المندوب هنا منصوبا دون أن يقترن بألف النّدبة الّتي تزاد بعد المندوب، لأنّ النّصّ عبّر عن حالة كلّ من يتحسّر لأجلهم، لا عن حالة متحسّر لأجله خاصّ.
وهذا الأسلوب ابتكار قرآنيّ، علّمنا اللّه فيه كيف نعبّر عن حالة من سيسقطون في عواقب وخيمة، تجعلهم يتحسّرون على أنفسهم، وتجعل آخرين من ذوي الألباب والرّحمة والشفقة يتحسّرون عليهم، ويتوجّعون من أجلهم، إذ يرونهم يسعون كادحين في مسالك توصلهم إلى شقائهم الأبديّ في عذاب النار، كالفراش الذي يتهافت على الحريق، غير أنّ عذاب الكفار خالد، وعذاب حريق الفراش لمحة.
والتحسّر في عبارة: يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ كناية عن تحقّق نزول العقاب فيهم، بسبب تكذيبهم رسل ربّهم، واستهزائهم بهم.
والحاكم العادل قد يوقع العقاب الشديد بمن يستحقه بمقتضى العدل، وهو قد يتحسّر على من ينزل به العقاب، إذ جنى على نفسه باختياره الحرّ.
والعاقل الرحيم يشاهد مغامرا يقذف بنفسه من شاهق، اعتمادا على أنّه يسقط على ماء، وهو ماهر في السّباحة، مع أنّه في الحقيقة يسقط على صخر يحطّمه، أو نار تحرقه، فيصرخ المشاهد الرّحيم به نادبا متفجّعا من أجله، قائلا: يا حسرة عليه، قتل نفسه، وقذف بها إلى العذاب.