فهرس الكتاب

الصفحة 3637 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 97

أمّا السّبب في سقوط أكثر العباد في العواقب المشقية لهم، والّذي يستدعي تحسّر العقلاء الرّحماء من أجلهم، فهو موقفهم من رسل اللّه إليهم، إذ يكذّبونهم فيما يبلّغون عن ربّهم، ويستهزئون بهم، وبدعوتهم إلى دين اللّه الحق.

والعقلاء أولوا الألباب يعلمون أنّ الاستهزاء بدعاة الحقّ، من وسائل الّذين يعجزون عن مواجهة الفكر بالفكر، والحجّة بالحجّة، والبرهان بالبرهان، فيرون الاستهزاء، وسيلة من الوسائل الّتي تغطّي عجزهم أمام أنفسهم، وأمام جماهير أتباعهم، لكنّهم حين يملكون القوة القتاليّة يقابلون براهين العقل بحدّ السّيف، وقواتل الحديد والنّار.

هذا السّبب أبانه اللّه عزّ وجلّ بقوله بشأن العباد الّذين يتحسّر من أجلهم:

ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) .

"من"في عبارة: مِنْ رَسُولٍ جيء بها لتأكيد عموم النّفي والتّنصيص عليه، وتسمّى زائدة لهذا الغرض.

الاستهزاء: السّخرية بتوجيه عبارات وأعمال، فيها احتقار وازدراء وتنقيص وتسفيه لرأي المخالف أو عمله.

ونستخلص من هذا البيان في هذه الآية أنّ الموقف الّذي وصل إليه كبراء كفّار أهل مكّة إبّان نزول سورة (يس) هو موقف مواجهة الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم ودعوته بالاستهزاء العلنيّ الصّريح، إذ لم يجدوا حججا فكرية قادرة على منازلة حججه وبياناته الحقّ في معارك الفكر والبيان، فلجؤوا إلى وسيلة الضعفاء السّخفاء السّفهاء في منطق الفكر، وهي وسيلة الهزء والسّخرية، وتتبعها وسيلة السّباب والشّتائم.

أمّا الهزء والسّخرية فيشبههما ضحك القرود، وأمّا الشتائم فيشبهها عواء الكلاب، وما أبعدهما عن أدنى مستويات الفكر والإنسانيّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت