معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 98
قول اللّه تعالى:
* أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ أَنَّهُمْ إِلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ (31) ؟!!.
أي: ألم يروا في آثار المهلكين السّابقين إهلاكا جماعيّا شاملا، ما يدلّهم على أنّ إهلاكهم الشامل، قد كان بسبب تكذيبهم رسل ربّهم، وتكذيبهم بما جاءوهم به من الحقّ، جحودا وعنادا وإصرارا على الباطل، واتّباعا للأهواء والشهوات من زينة الحياة الدّنيا، وإيثارا للتقاليد العمياء الموروثة عن آبائهم وأجدادهم.
مِنَ الْقُرُونِ: القرون: جمع"القرن"والقرن من الناس أهل زمان واحد.
لم يواجه اللّه عزّ وجلّ في هذه الآية المعنيّين بالخطاب المباشر، بل تحدّث عنهم بأسلوب الحديث عن الغائبين، لمقابلة إدبارهم أو إعراضهم عن دعوة اللّه ورسوله، بالإعراض عن المواجهة بالخطاب، ومعلوم أنّهم مكذّبوا الرّسول إبّان تنزيل السورة، وأنّ الغرض إقناعهم عن طريق تذكيرهم بالشواهد التاريخيّة من قصص المهلكين السّابقين، وهم ما بين مدبر ومعرض.
فالمناسب مخاطبة المقبلين عند التحدّث عن المدبرين أو المعرضين الغائبين فكريّا ونفسيّا، لإسماعهم ما يتعلّق بهم دون مواجهة لهم بالخطاب التكريميّ.
إنّ إهلاك اللّه عزّ وجلّ مكذّبي القرون السّابقة من القضايا المعروفة لدى المعنيّين بالحديث، فأخبار قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم لوط، وأهل مدين، وفرعون وجنوده، وإهلاك اللّه لهم، لأنّهم كذّبوا رسل ربّهم، وقاوموا رسالاتهم مشاقّين معادين، أخبار منتشرة مشهورة، وقد سبق في نجوم التّنزيل التّذكير بها، والآثار في الأرض شواهد تؤكّد هذه الأخبار.