فهرس الكتاب

الصفحة 3668 من 8918

معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 128

ولست أرى مانعا من جعله يشمل المراكب التي يصنعها الناس، لأنّهم لا يصنعونها إلّا بإلهام من اللّه وتوفيق، وإمداد منه لهم بالمعونة والقوّة، وتسخير المسخّرات لهم في كونه، ولا يمكن أن يستفيدوا من المسخّرات إلّا من خلال قوانين اللّه الّتي جعل كونه مقيّدا بها، وهي خاضعة لخلق اللّه، كما قال إبراهيم عليه السّلام لقومه، فيما حكاه اللّه عنه مقرّا له في سورة (الصّافّات/ 37 مصحف/ 56 نزول) :

وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ (96) .

وبهذا الفهم يمكن إدخال كلّ المراكب البريّة والجويّة والبرمائيّة، وغيرها، وكلّ ما يمكن أن يستحدث من مراكب.

والتعبير بالفعل الماضي في: وَخَلَقْنا لَهُمْ يحمل على معنى: وقدّرنا وقضينا، إذ قضاء اللّه وقدره من الأمور النافذة حتما، ولو كانت بوساطة إلهام اللّه للعباد، وتمكينهم، من التنفيذ، وتسخير المسخّرات لهم، لأنّ ما سيفعله العباد مسبوق بالعلم الرّبّانيّ الّذي لا يمكن تخلّفه.

*** قول اللّه تعالى:

* وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلا صَرِيخَ لَهُمْ وَلا هُمْ يُنْقَذُونَ (43) إِلَّا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتاعًا إِلى حِينٍ (44) .

إنّه لمّا كانت سلامة راكبي المراكب البحريّة وغيرها لا تتحقّق إلّا بقضاء اللّه وقدره، وعنايته ورحمته بعباده، كان من الحكمة إيراد هاتين الآيتين، للتنبيه على فضل اللّه على عباده بسلامتهم في رحلاتهم البحريّة وغيرها، إذ لو شاء اللّه عزّ وجلّ إغراقهم لم تغنهم وسائلهم من اللّه شيئا.

والمعنى: وإنّ نشأ إغراقهم نغرقهم، إذا كانوا في المراكب البحريّة، بوسيلة من الوسائل التي لا يملكون دفعها ولا تحويلها، فإذا صرخوا مستغيثين مستنجدين لم يجدوا من ينجدهم ويغيثهم وينجيهم، إذ لا رادّ لمشيئة اللّه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت