معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 127
وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) :
فقد جاء فيها البيان الصّريح بأنّ هذا الحمل آية من آيات اللّه في كونه.
أي: وآية للعباد الّذين جاء الحديث عنهم في قوله تعالى في السورة:
يا حَسْرَةً عَلَى الْعِبادِ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ (30) .
وهذه الآية آية مستمرّة لكلّ البشر، ما داموا يستخدمون المراكب البحريّة لركوب البحار، وعبورها، وحمل أثقالهم عليها، ونقلها إلى بلاد لم يكونوا بالغيها إلّا بشقّ الأنفس.
الفلك: مركب البحر، يطلق على الواحد وغيره، ويذكّر ويئنث، يقال: هذا فلك، وهذه فلك.
المشحون: أي: المملوء ركّابا وأحمالا. يقال لغة: شحن السفينة يشحنها، أي: ملأها ركّابا وأحمالا.
الآية الكونيّة الثانية: دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ في النصّ:
وَخَلَقْنا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ ما يَرْكَبُونَ (42) :
يرى المفسّرون أنّ الجمال في الصّحراء هي المماثلة للسّفن في البحر، فهم يركبون الجمال ويحملون عليها أثقالهم، وأخذوا من قول اللّه تعالى: وَخَلَقْنا لَهُمْ أنّ التعبير بالخلق الرّبّانيّ يستبعد ما تتدخّل فيه الصّناعة البشريّة.
أقول:
لست أرى مانعا من جعل النّصّ يشمل كلّ المراكب البرّية، جمالا كانت أو خيلا، أو بغالا، أو حميرا، أو غير ذلك.