معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 130
تمهيد:
يعرض هذا الدرس صورة من صور أحوال الكافرين إبّان تنزيل السّورة، المعرضين عن دعوة الحقّ، والمعرضين عن إنذارات المنذرين لهم بعقاب اللّه، والمعرضين عن آيات اللّه ربّهم، غير مكترثهين لها، ولا مبالين بها.
وهذه الصّورة صورة مشهودة بتكرار في كلّ الكافرين من قبلهم ومن بعدهم، فهي في الحقيقة تعبّر عن جانب من واقع أحوال كلّ الكافرين برسل اللّه وبما جاءوا به من عند اللّه، والمعرضين عن تدبّر آيات اللّه البيانيّة المنزّلة، والتفكّر في آيات اللّه الكونية، والاتّعاظ بآيات اللّه الجزائيّة، والاقتناع بآيات اللّه الإعجازيّة.
التدبّر:
قول اللّه تعالى:
وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اتَّقُوا ما بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَما خَلْفَكُمْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (45) :
ذكر المختصّون بعلوم القرآن أنّ هذه الآية من السورة آية نزلت في المدينة، وقد ضمّت إلى سورة (يس) المكيّة، وجعلت في صدر هذا الدرس الرابع من دروسها.
وبالتأمّل ظهر لي أنّ هذا الإجراء قد روعي فيه اقتضاءان:
الاقتضاء الأول: أنّ عتاة كفّار مكّة إبّان تنزيل السورة كانوا إذا قيل لهم: اتقوا اللّه أعرضوا ولم يكترثوا للإنذار، فمناسبة السّورة تقتضي ضمّ هذه الآية إليها.
الاقتضاء الثاني: أنّ حال عتاة الكفّار في كلّ عصر مثل حال عتاة كفّار قريش إبّان التنزيل، فاقتضى هذا تأخير إنزال هذه الآية إلى العهد