معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 138
حقوق ذوي الحقوق فيها إلى من أمره اللّه عزّ وجلّ ببذلها إليه، أو إلى الجهات الّتي أمره أن يبذل من أمواله فيها.
ولم يقبلوا أن يكون هذا الامتحان بالفقر والحاجة أحيانا، لابتلاء صبر العبد، ورضاه عن ربّه فيما ابتلاه به، وطاعته وعدم معصيته في العدوان على ما وهب اللّه بعض عباده، ممّا لا حقّ له فيه، وعدم تطلّعه إلى ما امتحن به سواه من زينة الحياة الدنيا، واقتناعه بما قسم له من معيشة.
ولم يأت هنا في سورة (يس) جواب مقالة الّذين كفروا، لأنّه قد سبق في نجوم التنزيل القرآنيّ بيان أنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أغنى بعض عباده فإنّما يغنيهم ليبلوهم ويختبرهم في ظروف الحياة الدّنيا، وليس إغناؤهم من أجل تكريمهم على من سواهم. وأنّ اللّه عزّ وجلّ إذا أفقر بعض عباده فقدر عليهم رزقهم فإنّما يفقرهم ليبلوهم ويختبرهم في ظروف الحياة الدنيا، وليس إفقارهم من أجل إهانتهم، فرحلة الحياة الدنيا بكلّ ما فيها من متناقضات ومتضادّات ومتخالفات رحلة ابتلاء واختبار، وبعدها تأتي حياة الحساب وفصل القضاء، وتنفيذ الجزاء، وتلك هي الحياة الخالدة، أمّا الحياة الدّنيا فحياة مؤقّتة قصيرة جدّا بالنّسبة إلى حياة الخلود، وهي أقلّ في مقاييس النّسب من ساعات الامتحان الّذي يجريه الأساتذة لاختبار طلابهم، إذا انتهت أخرجوا من مكان الامتحان، وانتزعت منهم صحف إجاباتهم بالإكراه، ثم يكون بعد ذلك إعلان النتائج.
لقد سبق في نجوم التنزيل، ما يدلّ على أنّ كلّا من مقادير التوسعة في الرّزق والتضييق فيه، إنّما هو للابتلاء، فلا الإغناء للتكريم، ولا الإفقار للإهانة، والغنيّ يطلب منه في ابتلائه الطاعة والقناعة والصبر، وعلى الغنيّ حقّ في ماله للفقير، وحقّ من نفسه بعدم الاستعلاء على من