معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 137
أنّه تعلّل جدليّ يعتمد على وهم أنّ الرّبّ الخالق أراد أن يجعل قسما من النّاس أغنياء مترفين تكريما لهم، وأراد أن يجعل قسما آخر من الناس فقراء معوزين ذوي ضرورات وحاجات، يجوعون ويعيشون في البؤّس إهانة لهم، ولو يشاء اللّه القادر ساعة بعد ساعة، ويوما بعد يوم، وشهرا بعد شهر، أن يطعمهم، لوسّع عليهم في الرّزق فأطعمهم، ولهيأ لهم وسائل الغنى عن صدقات المحسنين، الّذين يجودون عليهم من أموالهم. أفيصحّ أن نعارض مشيئة اللّه فيهم، فنطعمهم من طعامنا، ونكفيهم من أموالنا الّتي اكتسبناها بكدّنا واجتهادنا، واختصّنا اللّه بها.
يقولون هذا جدلا، وهم لا يؤمنون بأنّ اللّه رحمن بعباده، بل ينسبون مقادير الرّحمة لآلهتهم الّتي يعبدونها من دون اللّه.
وحين يرون أنّهم قد ملكوا ناصية الحجّة بزخرف القول، والإيهام الذي صنعوه يقولون للّذين آمنوا باللّه وبرسوله وبما أنزل عليه من آيات بيّنات: ما أنتم إلّا في ضلال واضح مبين، ابتعدتم به عن طريق الصواب فيما تبذلون من أموالكم، وفيما تدعوننا إليه ممن البذل.
هذه فلسفة الأنانيّين، وهذا منطق المرضى بداء الشّحّ المقيت، مع استعلاء واستكبار في الأرض.
ولو أنّهم آمنوا بربّهم حقّ الإيمان، وآمنوا باليوم الآخر، وما فيه من جزاء بنعيم مقيم، أو عذاب أليم. واستناروا بنور الرّسالة الرّبّانيّة، وفهموا ما جاء في كتاب اللّه وآمنوا به، لكان لهم موقف آخر، ولكان لهم فهم آخر لمقادير اللّه في عباده.
وإذ صرف الذين كفروا عن تفكيرهم أنّ رحلة الحياة الدنيا رحلة امتحان، لم يقبلوا أن يكون هذا الامتحان بالغنى أحيانا، لابتلاء طاعة العبد لربّه في بذل قسم من الأموال الّتي آتاه اللّه إيّاها، واستأمنه على