معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 136
منهم جواب جدليّ على دعوتهم إلى الإنفاق مما رزقهم اللّه، ودعوة مضادة إلى الشحّ.
اختير في الدّعوة من سدّ حاجات الفقراء الإطعام، لأنّ الحاجة إلى الطّعام من ضروريّات الحياة، والأغنياء الكفرة المستكبرون ذوو قلوب أشدّ قسوة من الحجارة، لا تليّنها مشاعر رحمة، ولا تعتصر نداها ضواغط عاطفة نبيلة، وهم يطلون وجوههم القبيحة بأصباغ ذرائع باطلة، إذ يزعمون أنّ حكمة اللّه عزّ وجلّ، قد قضت أن يهين الفقراء بالفقر، والجائعين بالجوع، وأن يذلّهم، لأنّهم لا يستحقون إلّا ذلك، وأنّ الناس مطالبون بأنّ لا يغيّروا مراد اللّه فيهم.
* إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (47) : أي: ما أنتم أيّها المؤمنون الباذلون أموالكم لإطعام الجائعين، وسدّ حاجات وضرورات الفقراء والمساكين، إلّا في ضياع واضح جليّ عن طريق الحقّ والخير والهدى.
إِنْ: هنا حرف نفي بمعنى"ما"النافية.
فِي ضَلالٍ: أي: في ضياع، وباطل، وعدول عن الطريق المستقيم.
وهذه الذّريعة الباطلة الّتي يتذرّع بها الكافرون وأشباههم، إنما هي نتيجة سوء فهمهم عن اللّه عزّ وجلّ ومقاديره في خلقه.
إنّهم صرفوا عن تفكيرهم أنّ رحلة الحياة الدنيا هي رحلة امتحان، وأنّ وراءها حياة أخرى خالدة أبديّة هي حياة الجزاء، بعد الحساب وفصل القضاء، وأنّ الامتحان في الحياة الدنيا قد اقتضى الامتحان بالمتضادّات والمختلفات، ومنها الغنى والفقر، والقوّة والضعف، والصّحة والسّقم، والعزّ والذّل، والجمال والقبح، إلى سائر المتضادات والمتناقضات والمتخالفات.