معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 170
أَضَلَّ: أي: كان الشّيطان السّبب في إضلال أمّة كثيرة منكم، بوساوسه وتسويلاته، وإغراءاته ومخادعاته، إذ استجابوا لدعوته ووساوسه وإغراءاته، وكان السّبب في إخراجهم عن الصراط المستقيم، الّذي هو صراط اللّه لعباده.
وكون الشيطان سببا في إغوائهم وإضلالهم، لا يخفّف من جرائمهم شيئا، لأنّهم استجابوا له بإراداتهم الحرّة، لتحقيق مطالب نفوسهم وشهواتهم وأهوائهم من زينة الحياة الدنيا، وأعرضوا وأدبروا وتولّوا عن دعوة اللّه لهم إلى الصراط المستقيم، وإلى النجاة والفوز بجنّات النّعيم، فمسؤليّتهم عن اختياراتهم الحرّة مسؤوليّة تامّة.
المقطع الخامس:
دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ في النّصّ: ... أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) .
وهذا خطاب من اللّه عزّ وجلّ يوجّه أيضا للّذين لم يحاسبوا بعد من أهل الموقف.
في هذه العبارة استفهام توبيخي، فيه تأنيب وتثريب وإنكار عليهم بالغ، إذا لم يستعملوا عقولهم فيما خلقها اللّه له، حتى كأنّهم قد كانوا في الحياة الدنيا لا يعقلون.
أي: أسلبتم قدرات التفكير فيكم، وسلبتم إراداتكم الضابطة لأهوائكم وشهواتكم، ونزعاتكم ونزغاتكم فلم تكونوا تعقلون.
العقل: يطلق في التعبيرات القرآنيّة بمعنين:
المعنى الأوّل: العقل العلميّ، وبه تدرك مسائل المعرفة، وتحفظ معقولة في الذاكرة، وقد جاءت البيانات الدينيّة في كتاب اللّه وسنّة رسوله، لتدرك معانيها وحقائقها، ولتحفظ في الذاكرة، فتكون ذكرا عند كلّ مناسبة تستدعي منها شيئا.