معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 175
قال:"أتدرون ممّ ضحكت؟"
قلنا: لا يا رسول اللّه.
قال:"من مخاطبة العبد ربّه، يقول: يا ربّ ألم تجرني من الظّلم؟"
فيقول: بلى. فيقول: إنّي لا أجيز عليّ إلّا شاهدا منّي، فيقول: كفى بنفسك اليوم عليك شهيدا، وبالكرام الكاتبين شهودا، فيختم على فيه، ويقال لأركانه انطقي، فتنطق بأعماله، ثمّ يخلّى بينه وبين الكلام، فيقول:
بعدا لكنّ وسحقا، فعنكنّ كنت أناضل"."
أناضل: أي: أحامي وأدافع: يقال لغة: ناضل فلان عن فلان مناضلة ونضالا، أي: حامى ودافع عنه.
هكذا يفعل بالكافر الصّريح، وكذلك يفعل بالمنافق، كما جاء في حديث آخر، رواه مسلم وغيره عن أبي سعيد الخدريّ، وعن أبي هريرة.
أمّا ما جاء في سورة (النّور/ 24 مصحف/ 102 نزول) من شهادة الألسن مع الأيدي والأرجل، فقد جاء بشأن الّذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات، إذ جاء فيها قول اللّه عزّ وجلّ:
إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ الْغافِلاتِ الْمُؤْمِناتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (23) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ (24) .
فهذا النّصّ جاء في معرض الحديث عن أهل الإفك على عائشة أمّ المؤمنين، رضي اللّه عنها، وقد كان فيهم مؤمنون ومنافقون.
أمّا المؤمنون منهم فيعترفون بألسنتهم. وأمّا المنافقون، فإذا كذبوا حين تعبّر ألسنتهم عمّا يريدون، أنطق اللّه ألسنتهم بما صدر منها من إفك في الحياة الدّنيا، كجارحة تنطق بما عملت، لا ألسنة تعبّر عن إراداتهم، واللّه أعلم.