معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 184
يس (1) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (2) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (3) عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (4) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (5) لِتُنْذِرَ قَوْمًا ما أُنْذِرَ آباؤُهُمْ فَهُمْ غافِلُونَ (6) .
وإذ بدأ بعض قادة عتاة مشركي مكّة يتهامسون فيما بينهم، للعمل على ترويج إشاعة أنّ القرآن لون من ألوان الشّعر، وأنّ الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم شاعر، فقد كان من المناسب أخذ الأمور بقوابلها، وبيان أنّ الرّسول ليس بشاعر، وليست لديه موهبة نظم الشعر، وبيان أنّ القرآن ليس لونا من ألوان الشّعر، ولا فنّا من فنونه.
ودلّ قول اللّه عزّ وجلّ في هذا الدرس السابع من دروس السورة:
وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (69) حديثا عن الرّسول وعن القرآن الذي يبلّغه عن ربّه، ربطا بما بدأت به السّورة، على أنّ بعض قادة مشركي مكة قد بدأ بعضهم يهمس باتّهام الرّسول بأنّه شاعر، واتّهام القرآن بأنّه لون من ألوان الشّعر، للترويج بها بين الناس، بغية صدّهم عن الإيمان به وبما أنزل عليه من ربّه.
ويظهر أنّ هذه الهمسات قد كانت في بدايتها، لم تصل إلى حدّ الإشاعة السّائرة، الّتي تتردّد على ألسنة جماهيرهم وعامّتهم، لكنّها قد بلغت أذن الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم، بدليل قول اللّه عزّ وجلّ له بعد بضع آيات: فَلا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ وَما يُعْلِنُونَ (76) .
فأشارت عبارة: إِنَّا نَعْلَمُ ما يُسِرُّونَ إلى أنّ هذا الاتهام ما زال سرّا، وفي مراحله الأولى تهامسا فيما بين بعضهم.
أمّا ما أعلنوه فقد سبق في نجوم التنزيل بيانه، والرّدّ عليه بالحجج الدّوامغ.
وتحدّثنا كتب السّيرة عمّا كان من شأن الوليد بن المغيرة، إذ اجتمع إليه نفر من قريش، واستشاروه بأن يتّهموا الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه شاعر،