فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 272
* ثالث عشر:
ثمّ أبان اللّه عزّ وجلّ في عرض لقطات من قصّة نوح مع قومه تعلّل ملأ قومه لرفض الإيمان به بأنه بشر مثلهم، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (المؤمنون/ 23 مصحف/ 74 نزول) :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (23) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (24) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (25) .
فأبان هذا النصّ أنّ كبراء قوم نوح قد حاولوا إقناع جماهيرهم لصدّهم عن الإيمان به واتّباعه بأنّه بشر مثلهم، وبأنّ البشر لا يصلحون أن يكونوا رسلا يرسلهم اللّه عزّ وجلّ، زاعمين وموهمين بأنّ البشريّة، تمنع من الاتصال بربّ العالمين، لتلقّي رسالة منه، وتمنع من الاتصال برسول ربّ العالمين من الملائكة لتلقّي رسالة اللّه عنه.
وأشاروا إلى نوح عليه السّلام في مقولتهم باسم الإشارة"هذا"إشعارا بأنّه رجل لا يستحقّ أن ينظر إليه باحترام وإكبار، وقصدوا تحقيره بحضوره أمام جماهيرهم ليصرفوهم عن احترامه كليّا، وليثيروا نفوس صغار العقول منهم لازدرائه، والسخرية منه، باعتباره بشرا مثلهم، ويدّعي الاتصال باللّه، وأنّه رسول مبعوث من قبله، ومثل هذا الادّعاء لا يدّعيه إلّا من بعقله اختلال ما، أو نوع من أنواع الجنون.
وأبان اللّه عزّ وجلّ في سورة (المؤمنون) نفسها أنّ عادا قوم الرسول هود عليه السّلام قالوا مثل مقالة قوم نوح عليه السّلام، فقال اللّه عزّ وجلّ فيها عطفا على قصة قوم نوح:
ثُمَّ أَنْشَأْنا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (31) فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ