معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 400
وجاءت كلمة (إذا) الشرطيّة في هذه السّورة مكرّرة (12) مرّة، ومقترنة غير الأولى منها بحرف العطف، وداخلة على (12) جملة شرطيّة، فالشرط مؤلف من اثني عشر حدثا، أمّا جواب الشرط فقد جاء جملة واحدة هي آية: عَلِمَتْ نَفْسٌ ما أَحْضَرَتْ (14) .
أمّا الأحداث التي جاء في السّورة بيان أنّها ستكون قبيل قيام السّاعة الّتي يكون بها إنهاء ظروف الحياة الدنيا، والنظام الكونيّ المرتبط بها، فهي ما يلي:
الحدث الأوّل:
"تكوير الشّمس"دلّ عليه قول اللّه عزّ وجلّ: إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ (1) .
التكوير في اللّغة: إدارة شيء ذي طول كالعمامة بعضه على بعض، وكلّ دور في عمليّة التكوير يسمّى: كورا.
وقالوا في تفسير تكوير الشمس هو جمع ضوئها، ولفّه كما تلفّ العمامة على الرأس. وقال الأخفش وأبو عبيدة: تلفّ فتمحى.
أقول: هذا حدث سيكون في الشمس قبيل قيام الساعة لإنهاء نظام الحياة الدنيا، وإماتة الأحياء، جاء التعبير عنه بتكوير الشمس.
وجاء في سورة (القيامة/ 75 مصحف/ 31 نزول) بيان أنّ الشمس والقمر يجمعان قبيل قيام الساعة، مقدّمة لقيامها، فتبلع الشّمس القمر فيكون جزءا منها.
وباستطاعة المتدبّر أن يأخذ من فكرة تكوير الشمس أنّ جرمها عند إجراء هذا الحدث فيها، لا يكون قد فني كما يفني الوقود بالاشتغال إذا توقّف عن النار الإمداد به، بل تكون الشمس عندئذ في جرمها صالحة للإمداد بالوقود اللّازم لبقاء ضيائها، وإمداد ألسنتها اللّاهبة.