معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 372
يصدّقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وسله أن يجعل لك جنانا وقصورا من ذهب وفضّة تغنيك عمّا نراك تبتغي، فإنّك تقوم في الأسواق، وتلتمس المعاش، كما نلتمسه، حتى نعرف فضلك ومنزلتك من ربّك إن كنت رسولا كما تزعم.
فقال لهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم:"ما أنا بفاعل، ما أنا بالّذي يسأل ربّه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكنّ اللّه بعثني بشيرا ونذيرا". فأنزل اللّه في ذلك: وَقالُوا ما لِهذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ... وقوله: وَجَعَلْنا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ؟.
وبعد الاعتراض، والمقترحات، وعدم الاستجابة لها، وجد الكافرون ذريعة لأنفسهم أن يتّهموا الرّسول محمّدا صلّى اللّه عليه وسلّم بأنّه رجل مسحور، فجاءوا إلى جماعات من المؤمنين به، وقالوا لهم عن الرسول ظلما وعدوانا: إن تتّبعون إلّا رجلا مسحورا. عسى أن يرتدّوا عن دينهم الّذي آمنوا به استجابة لدعوة الرسول.
قال اللّه تعالى:
وَقالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (8) :
إِنْ: حرف نفي بمعنى"ما"النافية، أي: ما تتّبعون أيّها المؤمنون به، المطيعون له، إلّا رجلا مسحورا، والمعنى أنّه ليس نبيّا ولا رسولا، بل هو رجل مسحور.
المسحور: هو الذي أصابه سحر السّحرة، ويريدون من ذلك أنّه يتصرّف بغير إرادة واعية منه، وهذا تراجع منهم عن اتّهامهم الأوّل له:
بأنّه مفتر على ربّه، كذّاب يصنع الكذب، وعن اتهامهم له بأنّه ساحر، لأنّ الساحر ذكيّ خبيث شيطان، وهو يتصرّف بتصنّع ووعي كامل، بخلاف المسحور.