فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 427
العامّ لسنن اللّه في كونه، لا يتنافى مع منحة حرّيّة الاختيار للمكلّفين المخيّرين، لأنّ هذا الجعل يشتمل على طريقي الخير والشرّ، والإنسان المكلف المختار الممتحن، إذا اختار مثلا الكفر وانعقدت عليه إرادته الحرّة، حجبه اللّه عن الإصغاء لآيات القرآن، وجعله غير قادر على أن يفقه معانيها، وجعله نافرا عن الاستماع إليها. أمّا إذا اختار الإيمان وانعقدت عليه إرادته الحرّة الصّادقة، فإنّ اللّه عزّ وجلّ يشرح صدره للإصغاء لآيات القرآن، وينوّر قلبه لتدبّر معانيها وفهمها، ويجعل سمعه ميّالا لاستماعها ومنجذبا إليها.
وهذا المعنى هو المعنى الملائم للنصّ الذي نتدبّره، إذ امتحان النّاس بعضهم ببعض من سنن اللّه في ظروف الحياة الدّنيا.
المعنى الثاني: الجعل بمعنى الحكم الدّيني، الذي يمتحن اللّه الناس به، وقد وردت عدّة نصوص قرآنية يدلّ فيها الجعل على معنى الحكم الديني، ومن هذه النصوص قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (الإسراء/ 17 مصحف/ 50 نزول) :
وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كانَ مَنْصُورًا ... (33) .
أي: فقد جعلنا في أحكام الشريعة الإسلاميّة حكما يضمن حقّ وليّ القتيل الّذي قتل مظلوما.
المعنى الثالث: الجعل بمعنى الحكم الإنسانيّ الصادر عن تصوّر بشريّ، أصاب فيه صاحبه أم أخطأ، وضمن هذه الدلالة وردت عدّة نصوص قرآنيّة، ومن هذه النصوص قول اللّه عزّ وجلّ في سورة (ق/ 50 مصحف/ 34 نزول) :
الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ فَأَلْقِياهُ فِي الْعَذابِ الشَّدِيدِ (26) .