فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 455
أي: أجرينا فيه مقتضى القانون الّذي جعلناه للأعمال بخلقنا، نظير إجراء قانون إحراق النّار جسد من دخل فيها.
ويظهر أنّ إجراء مقتضى هذا القانون بالنّسبة إلى أعمال المشركين وسائر الكافرين، بإلغاء أثرها في موازين اللّه للجزاء الأخروي، يكون منذ انتهاء رحلة الحياة الدّنيا بالموت، والدّخول في أحوال الآخرة، بدءا من خطوة الموت، فما بعد الموت، وهكذا حتّى المصير الأخير، فلا يكون لأعمالهم الحسنة الّتي عملوها في الحياة الدّنيا أثر ما في مرحلة البرزخ، ولا عند البعث، ولا في موقف الحشر، ولا في موقف الحساب وفصل القضاء، ولا في دار عذابهم يوم الدّين. ويقتصر أثرها على الآثار الّتي تحصل بمقتضى سنّة اللّه في الحياة الدّنيا، كصيت حسن، ومكانة عالية بين النّاس، وعطايا من لذّات وأموال وبنين ومساكن طيّبة، وخدم وأنصار وأعوان وغير ذلك.
*** وبعد بيان ما يتعلّق بحال المشركين وسائر الكافرين بدءا من أوّل لحظات رؤيتهم للملائكة عند الموت، عرض اللّه عزّ وجلّ بيانا يتعلّق بالفريق السّعيد، وهم أصحاب الجنّة، على طريقته في القرآن من الجمع بين بياني الإنذار والبشارة في النّصوص القرآنيّة، فإذا سبقت المنذرات تبعتها المبشّرات، وإذا سبقت المبشرات جاءت بعدها المنذرات، فقال اللّه عزّ وجلّ:
أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (24) .
أَصْحابُ الْجَنَّةِ: أي: أهلها الملازمون لها ملازمة الصّاحب للصّاحب، قرارا ربّانيا قبل أن يدخلوها، وحقيقة واقعة قائمة بعد أن يدخلوها، وهم المؤمنون المتّقون بدءا من أدنى مستويات الإيمان المقبول