فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 457
نظرت في أقوال أهل التأويل فلم أجد فيها شيئا مرفوعا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم، ولا كلاما مؤيّدا بمفاهيم قرآنية، ورأيت أن القضيّة هي من الأمور الأخرويّة الغيبيّة التي لا تقال من قبل الرأي.
ثم نظرت في النصوص القرآنيّة فوجدت أنّ اللّه وصف الجنّة بأنّها حسنت مستقرّا ومقاما، ووصف النّار بأنها ساءت مستقرّا ومقاما، كما جاء في أواخر سورة (الفرقان) التي نتدبّرها، وقد عرفنا معنى كلمة"مستقر"أما كلمة"مقام"فتطلق بمعنيين:
المعنى الأول: الإقامة.
المعنى الثاني: موضع الإقامة.
وسمّى اللّه الجنّة"دار المقامة"والمقامة في اللّغة مثل الإقامة، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (فاطر/ 35 مصحف/ 43 نزول) يصف حال أهل الجنّة في الجنّة:
جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَها يُحَلَّوْنَ فِيها مِنْ أَساوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِباسُهُمْ فِيها حَرِيرٌ (33) وَقالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (34) الَّذِي أَحَلَّنا دارَ الْمُقامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لا يَمَسُّنا فِيها نَصَبٌ وَلا يَمَسُّنا فِيها لُغُوبٌ (35) .
واستبعادا للترادف بين كلمتي"مستقرّ"و"مقام"لا بدّ أن نفهم أنّ إحداهما تدلّ على المكان، والأخرى تدلّ على الحدث.
فكلّ من الجنّة والنّار مكان استقرار ومكان إقامة، وكلّ منهما يحصل فيه استقرار وإقامة.
ومن لطيف البيان الجمع بين الكلمتين لتحمل إحداهما على معنى المكان، ولتحمل الأخرى على معنى الحدث، مع صلاحيّة كلّ منهما للمكان والحدث معا.