معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 520
فأبان اللّه عزّ وجلّ لهم أنّ معركتهم ضدّ الرّسول والذين آمنوا لم تنته بعد، وأشار ضمنا إلى أنّه تبارك وتعالى يمهلهم بحكمته، لعلّهم يدركون رشدهم، ويستغفرون ربّهم.
لكنّهم إذا أصرّوا على كفرهم ووقوفهم من الرّسول موقف العداء، والاستعداد للقمع بالقوّة، فسينصر اللّه رسوله والمؤمنين، وسيمكّنهم من التغلّب على أعدائهم، وعندئذ يعلم الذين كفروا أنّهم كانوا أضلّ سبيلا، وأجهل بالمصير الوخيم والعاقبة السّيّئة من كلّ ضالّ.
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (41) إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْ لا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (42) .
(7) وجاء في خاتمة هذا الدرس من دروس السورة دور معالجة شكوى الرّسول من كون قومه اتّخذوا القرآن مهجورا، الدالّة على حرص الرسول على استجابة كلّ قومه لدعوته، وخوفه من أن يكون مقصّرا في أمر يمكن أن يجعلهم يخرجون من الكفر الّذي هم فيه، ويتحوّلون إلى الإيمان واتّباع رسول ربّهم.
وفي هذه المعالجة أبان اللّه عزّ وجلّ ما يلي:
أولا: أنّ العلّة النفسيّة لدى الّذين كفروا أنّهم عبيد أهوائهم.
ثانيا: أنّ الرّسول ليس مسؤولا في رسالته عن تحويلهم إلى صراط اللّه، لأنّه ليس وكيلا عليهم، كوكالة الولي على قاصرين، وإنّما هو مبلّغ معلّم ناصح مرشد، يجتهد في إقناعهم بالحقّ على مقدار الاستطاعة، ثم إنّهم هم المسؤولون مسؤوليّة شخصيّة عن اختياراتهم.
ومثل الرّسول في هذا كلّ داع من بعد.