معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 519
وفيه أيضا بيان واقع حال الّذين كفروا يوم الدّين، وبيان أنّ العاقبة الحسنة ستكون للرسول وللّذين آمنوا معه في الدّنيا، حين ينصره اللّه على أعدائه، كما نصر اللّه رسله السّابقين.
ولم يذكر اللّه بالعبارة الصّريحة ما يعدّه الكافرون من وسائل لقمع الرّسول والمؤمنين، ليعلّمنا بهذا وجوب كتمان ما نعلمه من استعدادات أعدائنا ضدّنا مع اتّخاذ وسائل وأسباب دفعها والتغلّب عليها.
كلّ هذه المعاني نستطيع استنباطها من قول اللّه عزّ وجلّ:
الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلى وُجُوهِهِمْ إِلى جَهَنَّمَ أُوْلئِكَ شَرٌّ مَكانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (34) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَجَعَلْنا مَعَهُ أَخاهُ هارُونَ وَزِيرًا (35) فَقُلْنَا اذْهَبا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا فَدَمَّرْناهُمْ تَدْمِيرًا (36) وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْناهُمْ وَجَعَلْناهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً وَأَعْتَدْنا لِلظَّالِمِينَ عَذابًا أَلِيمًا (37) وَعادًا وَثَمُودَ وَأَصْحابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذلِكَ كَثِيرًا (38) وَكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الْأَمْثالَ وَكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا (39) وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا (40) .
(6) بعد ذلك ذكر اللّه عزّ وجلّ بالعبارة الصّريحة ما يجاهر به الّذين كفروا من اتّخاذ الرّسول هزؤا، إذ لم يؤيّده ربّه ولم ينصره حتّى هذا التّاريخ، متّخذين ذلك ذريعة للتّشكيك في كون محمّد رسول ربّه حقّا، بمعنى أنّه لو كان رسولا حقّا لما تركه ربّه هو ومن آمن به في حالة ضعف وذلّة يتحمّلون الاضطهاد والأذى والتّعذيب حتّى هذا التّاريخ، من بدء الدّعوة حتّى نزول سورة (الفرقان) .
واسترجع الذين كفروا في مقالهم قوّة بيان الرّسول، وما كان يقدّمه لهم من حجج وبراهين، حتّى كاد أن يضلّهم بها- بحسب زعمهم- وكاد أن يصرفهم بها عن آلهتهم، لولا أن نفّذوا ما كانوا قد تواصوا به من الصّبر على الاستمساك بآلهتهم وعبادتها.