معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 518
الحكمة الثالثة: متابعة جدليّات الّذين كفروا فيما يقدّمونه من أمثلة يصطنعونها بآرائهم ويقترحونها، ويرون أنّها هي الصّور الأفضل، الّتي ينبغي أن يكون عليها حال الرّسول، أو حال القرآن، أو حال أحكام شريعة اللّه ومنهاجه.
فبهذه المتابعة يبيّن اللّه عزّ وجلّ في النصّ اللّاحق وجه الحقّ، إذا كان ما قدّمه الكافرون باطلا، ويبيّن تفسير وجه الحكمة من الطريقة الرّبانيّة المختارة، إذا كان ما قدّمه الكافرون إحدى الصّور الممكنة غير المرفوضة عقلا رفضا كلّيّا، إلّا أنّ الاختيار الرّبّاني قد كان هو الأفضل والأحسن والأحكم.
كلّ هذه المعاني نستطيع استنباطها من قول اللّه تعالى:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (32) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (33) .
(5) وكتم الرّسول صلّى اللّه عليه وسلّم في نفسه ما يزعجه من استضعاف قومه المعنيّين في النصّ له وللّذين آمنوا به واتّبعوه، واحتقارهم وازدرائهم لقوّتهم، وتصوّرهم أنّ محمّدا لو كان رسولا للّه حقّا، لأمدّه بالقوة الغالبة، ولاتّخذ له مخارج وسبلا تحميه وتحمي الذين آمنوا به ممّا يتعرّضون له من اضطهاد وإذلال وتعذيب، أو لسلب أعداءه من قومه قوّتهم وعزّتهم وسلطانهم.
فجاء البيان القرآنيّ متضمّنا علاج هذا الّذي كتمه الرّسول في نفسه، وفيه طمأنة قلب الرّسول والمؤمنين، وتهديد الذين كفروا بالعاقبة الوخيمة المعجّلة في الدّنيا، كما حصل لفرعون وجنوده، ولقوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرسّ وغيرهم وقوم لوط.