معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 1، ص: 420
الحكيم القدير، وهؤلاء العلماء ومن يطّلعون على مقرّراتهم العلميّة يناسب حالهم أن يقسم اللّه لهم بهذه الآيات من آياته في كونه، ليؤكّد لهم صدق الرسول محمد صلّى اللّه عليه وسلّم، وصدق بلاغاته عن ربّه، ومثل هذا الواقع الذي سيحدث حتما يقتضي القسم بها.
ولمّا اجتمع الاقتضاءان: اقتضاء القسم، واقتضاء عدم القسم، كان الحلّ البديع أن يأتي النّصّ بعبارة [لا أقسم] .
هكذا ينبغي أن نفهم كلّ ما جاء في القرآن من عبارة [لا أقسم] وقد استقرأ ت الأقسام القرآنيّة فانتهيت إلى إدراك هذه الحكمة البيانيّة البديعة في القرآن.
فلست أعتبر كلمة"لا"زائدة كما ذكر بعض المفسّرين، ولا ما ذكروه من تأويلات أخرى متكلّفة، وقد هداني اللّه بهذا الاستقراء إلى استخراج قاعدة للأقسام المنفيّة في القرآن دوّنتها في كتابي:"قواعد التدبّر الأمثل لكتاب اللّه عزّ وجل"وهي القاعدة"العشرون"منه، والحمد للّه على فتحه وتوفيقه.
شرح الآيات الكونية الثلاث:
أوّلا: آية الخنّس الجواري الكنّس، التي دلّ عليها قول اللّه عزّ وجلّ: فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (15) الْجَوارِ الْكُنَّسِ (16) .
الخنّس: وصف لموصوف محذوف هي النجوم، وهو جمع"خانس"أو"خانسة"والخنوس هو الانقباض والاستخفاء، يقال لغة: خنس يخنس ويخنس خنوسا إذا انقبض وتأخّر، وقيل: إذا رجع.
وجاء في كلام الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم: أنّ الشيطان يوسوس للعبد، فإذا ذكر اللّه خنس، أي: انقبض عنه وتأخّر.