فهرس الكتاب
معارج التفكر ودقائق التدبر، ج 6، ص: 534
وقد أبان اللّه عزّ وجلّ أنّ النّوم جزء من وفاة الأنفس، وأنّه وفاة دون وفاة الموت، إذ تعود الأنفس إلى الحياة الجسديّة عند اليقظة، وأمّا الموت فهو وفاة تامّة للأنفس، فقال اللّه عزّ وجلّ في سورة (الزمر/ 39 مصحف/ 59 نزول) :
اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنامِها فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرى إِلى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (42) .
ومن عجيب ظاهرة النّوم أنّه عرض يتمّ في الإنسان عن غير طريق سلطان إرادته، فهو لا يملك بإرادته السيطرة على النّوم، وقد يتمنّاه محتاجا له فلا يستطيعه، وقد يشتهي السّهر فيغلبه سلطان النّوم.
وقد اتّضح للباحثين من علماء الطّبيعة أنّ حاجة الإنسان إلى النّوم مثل حاجته إلى الطعام والشراب، وربّما تكون أشد.
ومن آيات اللّه التي اكتشفها العلماء الطبيعيّون في ظاهرة النوم، أنّ ملايين الخلايا في المخّ تنفصل عن مقابلاتها حالة النّوم، وتتّصل فتتماسّ ببعضها حالة اليقظة، فالحادثة شبيهة بفصل مجمّع كهربائيّ ذي أسلاك اتّصال تعدّ بالملايين، وكلّ منها يؤدّي وظيفة خاصّة تتّصل بناحية من أنحاء المدينة العظيمة.
والأحياء الّتي جعل اللّه عزّ وجلّ من نظام حياتها أنّها بحاجة إلى النّوم، يدفعنا واقع حالها إلى السؤال عمّن يدبّر أمور حياتها وهي نائمة؟!
إنّ منطق حقائق هذا الكون يهدينا إلى ضرورة وجود موجود عظيم حيّ لا تأخذه سنة ولا نوم، وهو ما بيّنه اللّه عزّ وجلّ بقوله في سورة (البقرة/ 2 مصحف/ 87 نزول) :
اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ ... (255) .